لواحد وعشرين دقيقة، عاشت جورجيا حلمًا بدا أكبر من كل التوقعات. المنتخب الذي يخوض أول بطولة أوروبية في تاريخه وجد نفسه متقدمًا على إسبانيا، الفريق الوحيد الذي عبر دور المجموعات بثلاثة انتصارات كاملة ومن دون استقبال أي هدف.
المشهد كان مفاجئًا: عرضية جورجية سريعة، ارتباك داخل المنطقة، والكرة تصطدم بروبن لو نورماند وتستقر في شباك أوناي سيمون.
لكن ما بدا في الدقيقة 18 بداية واحدة من أكبر مفاجآت يورو 2024 تحول تدريجيًا إلى اختبار لقوة المنتخب الإسباني. رودري أعاد المباراة إلى التعادل قبل الاستراحة، ثم أطلق فابيان رويز ونيكو ويليامز وداني أولمو العنان لهجوم أنهى مغامرة جورجيا بنتيجة 4-1.
جورجيا لم تأت إلى كولونيا لتشاهد إسبانيا
الفارق بين المنتخبين قبل المباراة كان كبيرًا على الورق، لكن جورجيا وصلت إلى دور الـ16 وهي تحمل معها شيئًا لا يمكن قياسه بالأسماء: الثقة.
قبل أربعة أيام فقط، صنعت مفاجأة مدوية بالفوز على البرتغال 2-0، وحجزت مكانها بين أفضل 16 منتخبًا في القارة خلال مشاركتها الأولى في تاريخ كأس أمم أوروبا.
أمام إسبانيا، لم يكن من المنطقي الدخول في سباق استحواذ. لذلك قبل المنتخب الجورجي بأن تكون الكرة مع منافسه، وحاول حماية العمق وانتظار اللحظة التي يستطيع فيها الانطلاق نحو المساحات.
ولم يحتج طويلًا حتى يجد تلك اللحظة.
هجمة واحدة تقلب الملعب
في الدقيقة 18، تحركت جورجيا بسرعة نحو نصف الملعب الإسباني.
انطلقت الكرة إلى الجهة اليمنى، ثم أرسل أوتار كاكابادزه عرضية قوية باتجاه منطقة الجزاء.
كان خفيتشا كفاراتسخيليا يتقدم خلف الدفاع ويبحث عن الكرة، لكن لو نورماند وصل إليها أولًا بطريقة لم يكن يريدها.
اصطدمت الكرة بالمدافع الإسباني وغيرت اتجاهها إلى داخل مرمى أوناي سيمون.
جورجيا تتقدم 1-0.
لأول مرة في يورو 2024، كانت إسبانيا متأخرة في النتيجة. ولأول مرة في البطولة أيضًا، اهتزت شباكها.
الجمهور الجورجي احتفل كما لو أن الحلم بدأ يتحول إلى حقيقة، لكن المباراة كانت ما تزال في بدايتها.
لماذا لم تفقد إسبانيا أعصابها؟
هنا ظهرت واحدة من أهم نقاط قوة فريق لويس دي لا فوينتي.
كان من السهل أن يتحول الهدف المفاجئ إلى استعجال: المزيد من العرضيات، التسديد من أي مكان، ومحاولة إعادة النتيجة بسرعة.
لكن إسبانيا استمرت في تدوير الكرة.
لامين يامال بقي واسعًا على اليمين، ونيكو ويليامز فعل الأمر نفسه على اليسار، بينما تحرك بيدري وفابيان رويز خلف ألفارو موراتا بحثًا عن ثغرة بين الخطوط.
كلما أبعد الدفاع الجورجي كرة، بدأت هجمة إسبانية جديدة.
وكان هناك حاجز أخير يرفض الانهيار: جيورجي مامارداشفيلي.
مامارداشفيلي يؤجل التعادل
دخل الحارس الجورجي البطولة باعتباره أحد أبرز عناصر منتخب بلاده، وأمام إسبانيا وجد نفسه تحت ضغط مستمر.
تصدى لرأسية داني كارفاخال، ثم تعامل مع محاولات أخرى، بينها تسديدة لفابيان رويز وأخرى منخفضة من مارك كوكوريلا.
جورجيا كانت تتراجع أكثر، لكن كل دقيقة تمر والنتيجة 1-0 كانت تجعل المفاجأة تبدو أكثر واقعية.
إسبانيا احتاجت إلى لاعب لا يبحث عن الحل داخل منطقة الستة أمتار.
وجدته عند حدود المنطقة.
رودري يطفئ الحلم الأول
في الدقيقة 39، وصلت الكرة إلى رودري خارج منطقة الجزاء.
أخذ لاعب الوسط لحظته، ثم أطلق تسديدة منخفضة بقدمه اليسرى استقرت في الزاوية.
هذه المرة لم يتمكن مامارداشفيلي من إنقاذ جورجيا.
1-1.
كان هدفًا أكبر من مجرد تعادل قبل الاستراحة. إسبانيا لم تعد مضطرة إلى مطاردة المباراة وهي متأخرة، وجورجيا فقدت أفضلية كانت تمنح خطتها الدفاعية معنى أكبر.
وعندما بدأ الشوط الثاني، ظهرت آثار ذلك التحول سريعًا.
يامال يفتح الباب وفابيان يدخل منه
بعد ست دقائق فقط من بداية الشوط الثاني، حصلت إسبانيا على كرة ثابتة قرب منطقة الجزاء.
تصدى مامارداشفيلي لمحاولة لامين يامال، لكن الهجمة لم تنته.
استعادت إسبانيا الكرة، ووصلت مجددًا إلى يامال على الجهة اليمنى.
هذه المرة رفع اللاعب الشاب رأسه وأرسل كرة دقيقة إلى القائم البعيد، حيث تحرك فابيان رويز خلف الدفاع.
ضربة رأس، ثم الشباك.
إسبانيا 2-1 جورجيا.
في أقل من ربع ساعة من وقت اللعب، انتقلت إسبانيا من منتخب يطارد التعادل إلى منتخب أصبح يملك المباراة والنتيجة معًا.
كفاراتسخيليا يحاول من منتصف الملعب
ومع ذلك، لم تختفِ جورجيا تمامًا.
بعد الهدف الثاني، لمح كفاراتسخيليا أوناي سيمون بعيدًا عن مرماه، وحاول مفاجأته بتسديدة جريئة من مسافة بعيدة جدًا.
مرت الكرة بجوار المرمى.
لم تتحول المحاولة إلى هدف، لكنها لخصت الطريقة التي أرادت بها جورجيا البقاء في المباراة: استغلال أي لحظة غير متوقعة بدل محاولة مجاراة إسبانيا في عدد الهجمات.
المشكلة أن المساحات التي بدأت تظهر خلف المنتخب الجورجي كانت بالضبط ما ينتظره جناحا إسبانيا.
نيكو ويليامز يحول المساحة إلى هدف
كلما اقتربت جورجيا من البحث عن التعادل، أصبح عليها ترك مناطق أكبر خلفها.
وفي الدقيقة 75، دفعت الثمن.
انطلقت إسبانيا بسرعة في هجمة مرتدة، ووصلت الكرة إلى نيكو ويليامز على الجهة اليسرى.
تقدم الجناح الإسباني نحو منطقة الجزاء، واجه مدافعه، تجاوزه ثم أطلق الكرة بقوة إلى الشباك.
3-1.
كان الهدف بمثابة الضربة التي أنهت الجزء الأكبر من المقاومة الجورجية.
والأهم أنه أظهر الوجه المختلف لإسبانيا في هذه البطولة. الفريق لا يحتاج دائمًا إلى عشرات التمريرات حتى يصل إلى المرمى؛ يستطيع أيضًا ضرب المنافس بسرعة عندما يجد المساحة.
جناحان جعلا الملعب أكبر من قدرة جورجيا
من الصعب فهم ما حدث للدفاع الجورجي من دون النظر إلى لامين يامال ونيكو ويليامز.
وجودهما على طرفي الملعب أجبر جورجيا على الدفاع بعرض كبير جدًا.
إذا اقترب الدفاع من يامال، ظهرت المساحة في الجهة الأخرى لنيكو. وإذا حاول إغلاق الطرفين، وجد رودري وفابيان وبيدري مساحات أكبر في الوسط.
يامال صنع الهدف الثاني لفابيان، ونيكو سجل الثالث، لكن تأثيرهما لم يتوقف عند هاتين اللقطتين.
كانا السبب في جعل الدفاع الجورجي مضطرًا إلى اتخاذ قرار صعب في كل هجمة تقريبًا: من نغلق أولًا؟
أولمو يضع الرقم الرابع
عندما دخل داني أولمو من مقاعد البدلاء، كانت إسبانيا قد أصبحت أقرب إلى حسم التأهل.
لكنها لم تتوقف عند ثلاثة أهداف.
في الدقيقة 83، وصلت الكرة إلى أولمو بالقرب من منطقة الجزاء بعد تمريرة من ميكيل أويارزابال.
هيأها لنفسه ثم سددها بدقة داخل المرمى.
4-1.
النتيجة أصبحت كبيرة، لكنها لم تكن تعكس الطريقة التي بدأت بها المباراة.
قبل 65 دقيقة فقط، كانت جورجيا متقدمة وتحلم بإقصاء أحد أبرز المرشحين للبطولة.
الرباعية لا تلغي ما فعلته جورجيا
الخسارة 4-1 قد تبدو قاسية عند قراءة النتيجة وحدها، لكن مشاركة جورجيا في البطولة لا يمكن اختصارها بهذه المباراة.
كانت هذه أول مشاركة للمنتخب الجورجي في نهائيات كأس أمم أوروبا.
تعادل مع التشيك، ثم صنع واحدة من أكبر مفاجآت دور المجموعات عندما هزم البرتغال 2-0 وحجز بطاقة تاريخية إلى دور الـ16.
وأمام إسبانيا، فعل شيئًا لم تنجح كرواتيا وإيطاليا وألبانيا في فعله خلال دور المجموعات: وضع الكرة في شباك المنتخب الإسباني، وإن جاء ذلك عبر هدف عكسي.
لكن إسبانيا كانت اختبارًا مختلفًا.
وعندما بدأ ضغطها يتحول إلى أهداف، لم تعد جورجيا قادرة على إيقاف الإيقاع.
رودري لم يسجل فقط.. بل أعاد ترتيب المباراة
اختيار رودري رجلًا للمباراة لم يكن مرتبطًا بهدف التعادل وحده.
وجوده في قلب الوسط منح إسبانيا نقطة ثابتة عندما كانت النتيجة تسير عكس المتوقع.
لم يسمح للفريق بأن يتحول إلى هجوم عشوائي بعد هدف جورجيا، واستمر في التحكم في اتجاه اللعب حتى جاءت المساحة المناسبة للتسجيل.
ثم وضع بنفسه الكرة التي ألغت أفضلية جورجيا قبل نهاية الشوط الأول.
ولهذا كان هدف الدقيقة 39 نقطة الانعطاف الحقيقية. الرباعية جاءت لاحقًا، لكن المباراة تغيرت عندما أعاد رودري النتيجة إلى التعادل.
إسبانيا تكتشف أنها تستطيع العودة أيضًا
قبل مواجهة جورجيا، كانت رحلة إسبانيا مثالية من ناحية النتائج.
فازت على كرواتيا 3-0، ثم إيطاليا 1-0، وبعدها ألبانيا بالنتيجة نفسها.
تسع نقاط، خمسة أهداف، ولا هدف في شباكها.
لكن هذه المثالية كانت تعني أيضًا أن المنتخب لم يُختبر في سيناريو التأخر بالنتيجة.
جورجيا قدمت له هذا الاختبار في الدقيقة 18.
ورد إسبانيا كان مهمًا: لم تتغير هويتها، ولم تدخل في حالة ارتباك، ولم تنتظر حتى الدقائق الأخيرة.
تعادلت قبل الاستراحة، تقدمت بعد العودة، ثم استغلت المساحات لتوسع الفارق.
من 0-1 إلى 4-1.. ماذا تغير؟
لم يكن التحول نتيجة تغيير تكتيكي واحد.
السبب الأول كان استمرار إسبانيا في اللعب بالطريقة نفسها رغم التأخر. والثاني كان إجبار جورجيا على الدفاع لفترات طويلة جدًا، ما جعل الحفاظ على التركيز والمسافات أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
ثم جاء العامل الثالث بعد هدف فابيان رويز.
عندما أصبحت جورجيا متأخرة، لم يعد بإمكانها الاكتفاء بالدفاع وانتظار الهجمة المرتدة. كان عليها التقدم.
وهنا ظهرت المساحات أمام نيكو ويليامز ولامين يامال.
الهدف الذي منح جورجيا أفضلية تكتيكية في الدقيقة 18 تحول، بعد تقدم إسبانيا، إلى سيناريو لم يعد مناسبًا لها.
ليلة انتهت بصورة مختلفة تمامًا عن بدايتها
لو توقفت المباراة بعد عشرين دقيقة، لكان الحديث كله عن جورجيا.
منتخب يخوض أول يورو في تاريخه، يهزم البرتغال للوصول إلى دور الـ16، ثم يتقدم على إسبانيا التي لم تستقبل أي هدف في مجموعتها.
لكن مباريات خروج المغلوب لا تكافئ البداية وحدها.
رودري رفض أن تدخل إسبانيا الاستراحة متأخرة. لامين يامال وجد فابيان رويز في بداية الشوط الثاني. نيكو ويليامز استغل المساحة وسجل الثالث. ثم جاء داني أولمو ليضع الهدف الرابع.
وبين الدقيقة 18 والدقيقة 83 تغيرت القصة بالكامل.
جورجيا صنعت الصدمة أولًا، لكن إسبانيا امتلكت الرد: أربعة أهداف نقلتها من التأخر 0-1 إلى انتصار 4-1.
