لم يكن إعلان بقاء حكيم زياش في غلطة سراي مجرد صفقة انتقال جديدة في سوق صيف 2024. بالنسبة إلى النجم المغربي، كان الإعلان بمثابة إغلاق رسمي لباب ظل مفتوحًا منذ أن غادر لندن معارًا، وإنهاء تجربة مع تشيلسي بدأت بطموحات كبيرة لكنها لم تمنحه الاستقرار الذي عرفه قبل وصوله إلى الدوري الإنجليزي.
في إسطنبول تغير المشهد. عاد زياش إلى اللعب بصورة أكثر انتظامًا، سجل أهدافًا مهمة، عاش أجواء المنافسة على اللقب، ثم أنهى موسمه الأول في تركيا ببطولة الدوري.
وعندما وصل صيف 2024، لم يعد السؤال: هل سيعود زياش إلى تشيلسي؟
الإجابة أصبحت رسمية: الفصل الإنجليزي انتهى، والمغامرة التركية أصبحت انتقالًا نهائيًا.
صفقة لم تحتج إلى مفاوضات جديدة
قصة الانتقال النهائي بدأت في الحقيقة قبل عام.
عندما انتقل حكيم زياش إلى غلطة سراي في أغسطس 2023، لم تكن الصفقة إعارة تقليدية تنتهي بعودة اللاعب تلقائيًا إلى ناديه الأصلي.
الاتفاق تضمن خيارًا يسمح للنادي التركي بالحصول على اللاعب نهائيًا دون رسوم انتقال عند تحقق الشروط المتفق عليها.
وبعد نهاية الموسم، أعلن غلطة سراي تحقق تلك الشروط، وبالتالي انتقال اللاعب المغربي بصورة نهائية.
وهكذا خرج زياش من حسابات تشيلسي بصورة رسمية، من دون حاجة إلى الدخول في مفاوضات طويلة حول قيمة الصفقة.
لكن كيف وصل زياش أصلًا إلى هذه النقطة؟
للإجابة، يجب العودة إلى الفترة التي سبقت تشيلسي.
في أياكس أمستردام لم يكن زياش مجرد جناح سريع أو لاعب يبحث عن المساحات. كان أحد أهم مصادر صناعة اللعب في الفريق.
قدمه اليسرى، الكرات الطويلة، العرضيات، التسديد من خارج المنطقة والقدرة على خلق فرصة من زاوية تبدو مغلقة جعلته أحد أبرز الأسماء في الكرة الهولندية.
وتضاعفت شهرته أوروبيًا خلال رحلة أياكس المميزة في دوري أبطال أوروبا، عندما أصبح الفريق قريبًا من الوصول إلى النهائي.
تلك النسخة من زياش هي التي جذبت تشيلسي.
تشيلسي رأى فيه أحد أخطر صناع اللعب في أوروبا
في 2020، حسم النادي اللندني صفقة اللاعب المغربي قادمًا من أياكس.
كان الانتقال يبدو منطقيًا.
زياش يصل إلى الدوري الإنجليزي في مرحلة مهمة من مسيرته، وتشيلسي يحصل على لاعب قادر على اللعب في الجهة اليمنى والدخول إلى العمق بقدمه اليسرى، إلى جانب قدرته على صناعة الفرص من الكرات الثابتة والمفتوحة.
حتى جماهير تشيلسي كانت قد شاهدت خطورته مباشرة قبل انتقاله، عندما تألق بقميص أياكس في دوري أبطال أوروبا أمام الفريق اللندني.
البداية كانت تحمل الكثير من الوعود.
لكن الطريق الذي جاء بعدها لم يكن مستقيمًا.
أربع سنوات في لندن.. لكن دون مكان ثابت
المشكلة الأساسية في تجربة زياش مع تشيلسي لم تكن غياب اللحظات الجيدة.
كانت غياب الاستمرارية.
تغير المدربون، تغيرت الخطط، ووجد اللاعب نفسه في فترات أساسيًا ثم خارج التشكيلة في فترات أخرى.
وفي فريق كان يملك عددًا كبيرًا من الخيارات الهجومية، لم يكن من السهل ضمان مركز ثابت لفترة طويلة.
هناك مباريات ظهر فيها زياش بالصورة التي عرفها الجمهور مع أياكس، وأخرى لم يحصل فيها على المساحة أو الدقائق التي تسمح له ببناء الإيقاع نفسه.
وهكذا أصبحت تجربته الإنجليزية خليطًا غريبًا: ألقاب كبيرة وذكريات أوروبية مهمة، لكن شعورًا مستمرًا بأن اللاعب لم يقدم في لندن كل ما كان قادرًا عليه.
ومع ذلك.. لا يمكن وصف تجربة تشيلسي بالفاشلة بالكامل
عندما يغادر لاعب نادياً كبيراً بعد فقدان مكانه الأساسي، يسهل اختصار تجربته بكلمة «فشل».
لكن حالة زياش أكثر تعقيدًا.
المغربي كان ضمن الفريق المتوج بدوري أبطال أوروبا، كما أضاف إلى سجله كأس السوبر الأوروبي وكأس العالم للأندية.
وسجل أهدافًا مهمة خلال رحلته، بينها أهداف في مسابقات الكؤوس والمنافسات الأوروبية.
المشكلة لم تكن غياب الإنجازات الجماعية.
المشكلة أن اللاعب الذي وصل من أياكس بصفته أحد أكثر صناع اللعب إثارة في أوروبا لم يصبح عنصرًا لا يمكن الاستغناء عنه داخل تشيلسي.
وهناك فارق كبير بين الأمرين.
107 مباريات تختصر فصل لندن
عندما أغلق تشيلسي ملف اللاعب نهائيًا، كانت أرقام زياش مع النادي قد توقفت عند 107 مباريات و14 هدفًا في جميع المسابقات.
هذه الأرقام وحدها لا تروي التجربة كاملة، لكنها توضح لماذا احتاج اللاعب في النهاية إلى طريق مختلف.
بالنسبة إلى لاعب بنى جزءًا كبيرًا من شهرته على صناعة الفرص والتأثير المستمر في الهجوم، لم يكن الجلوس بين الأساسي والبديل الوضع المثالي.
وكانت المغادرة تبدو تدريجيًا أكثر منطقية للطرفين.
البحث عن باب للخروج بدأ قبل إسطنبول
قبل الانتقال إلى تركيا، ارتبط اسم زياش بأكثر من وجهة خارج تشيلسي.
كان واضحًا أن مستقبله في ستامفورد بريدج أصبح موضع شك، وأن اللاعب بحاجة إلى مكان يستطيع فيه العودة إلى المشاركة بصورة أكبر.
لكن سوق الانتقالات لا يسير دائمًا كما يخطط اللاعب أو النادي.
مرت محاولات لم تكتمل، وبقي زياش في لندن فترة أطول مما كان متوقعًا.
ثم ظهر غلطة سراي.
إسطنبول لم تكن مجرد محطة للهروب من دكة تشيلسي
عندما وصل زياش إلى تركيا في صيف 2023، كان من السهل النظر إلى الانتقال باعتباره خطوة إلى الخلف بعد اللعب في الدوري الإنجليزي.
لكن بالنسبة إلى مسيرته، كان السؤال الأهم مختلفًا:
هل يستطيع العودة إلى الشعور بأنه لاعب مؤثر؟
في غلطة سراي وجد بيئة مختلفة.
مدرجات ممتلئة، ضغط جماهيري هائل، منافسة محلية شرسة، ومشاركة في دوري أبطال أوروبا.
الأهم أنه وجد فرصًا أكبر لإظهار السلاح الذي ارتبط باسمه منذ سنوات: قدمه اليسرى.
مانشستر يونايتد يعيد زياش إلى الواجهة الأوروبية
واحدة من أكثر ليالي زياش لفتًا للأنظار بقميص غلطة سراي جاءت في دوري أبطال أوروبا أمام مانشستر يونايتد.
في مباراة مثيرة بإسطنبول، سجل المغربي هدفين من ركلتين حرتين وساهم في عودة فريقه إلى التعادل 3-3.
كانت تلك المباراة بمثابة تذكير بما يستطيع زياش فعله عندما يحصل على الثقة والكرة في المناطق التي يحبها.
القدم اليسرى التي صنعت شهرته في أمستردام ظهرت مجددًا على المسرح الأوروبي.
ولم تعد قصته في تركيا مجرد محاولة لاستعادة دقائق اللعب.
الأرقام بدأت تتحسن مع نهاية الموسم
لم يكن موسم زياش في تركيا خاليًا من المشاكل البدنية أو فترات الغياب، لكن عندما استعاد جاهزيته أصبح تأثيره أوضح.
وخلال موسم 2023-2024 شارك في 23 مباراة بمختلف المسابقات، سجل خلالها 8 أهداف وقدم 4 تمريرات حاسمة.
وفي الدوري التركي وحده، سجل ستة أهداف خلال 18 مشاركة.
لم تكن المسألة مجرد زيادة عدد الدقائق.
كان زياش يعود تدريجيًا إلى صناعة الفارق المباشر في الثلث الأخير من الملعب.
والنهاية كانت بلقب
غلطة سراي لم ينه الموسم بمجرد ضمان التأهل الأوروبي.
الفريق خاض سباقًا محليًا قويًا مع فنربخشة، واستطاع في النهاية الاحتفاظ بلقب الدوري التركي.
وبالنسبة إلى زياش، كان ذلك يعني أن أول موسم له بعيدًا عن تشيلسي انتهى بميدالية جديدة.
الفرق هذه المرة أن اللاعب لم يكن مجرد اسم في قائمة فريق بطل.
كان قد ترك بصمته بالأهداف والتمريرات الحاسمة، وخصوصًا خلال مراحل مهمة من الموسم.
لماذا كان القرار النهائي منطقيًا لغلطة سراي؟
من وجهة نظر النادي التركي، المعادلة كانت جذابة.
هناك لاعب دولي صاحب خبرة في الدوري الإنجليزي ودوري أبطال أوروبا، أثبت خلال موسم الإعارة أنه قادر على تقديم الإضافة، وفي الوقت نفسه أصبح بالإمكان الحصول عليه نهائيًا دون دفع رسوم انتقال إلى تشيلسي بعد تحقق شروط الاتفاق.
وبالتالي لم يكن القرار متعلقًا بالاسم فقط.
غلطة سراي كان يعرف اللاعب بالفعل، يعرف قدراته، ويعرف أيضًا المشاكل البدنية والفنية التي تعامل معها خلال الموسم.
لم يكن يتعاقد مع لاعب مجهول.
كان يحول تجربة استمرت موسمًا كاملًا إلى علاقة دائمة.
2.85 مليون يورو.. ماذا أعلن غلطة سراي؟
النادي التركي لم يكتف بإعلان الانتقال، بل كشف التفاصيل المالية الأساسية للاتفاق.
وفق الإعلان الرسمي، سيحصل حكيم زياش على راتب صافٍ قدره 2.85 مليون يورو عن موسم 2024-2025.
كما يتضمن الاتفاق إمكانية تمديد مشروطة للموسم التالي، وفي حال تفعيلها يحصل اللاعب على الراتب الصافي السنوي نفسه.
أما انتقاله من تشيلسي فأصبح نهائيًا دون رسوم، نتيجة تحقق شروط خيار الشراء الموجود في اتفاق الإعارة السابق.
تشيلسي يغلق الملف بكلمات وداع قصيرة
بالنسبة إلى تشيلسي، أنهى الانتقال واحدًا من الملفات التي ظلت معلقة بعد إعارة اللاعب.
النادي أكد رحيل زياش بصورة نهائية، واستعاد في إعلانه أهم محطات اللاعب معه: 107 مباريات، 14 هدفًا، وثلاثة ألقاب دولية كبيرة على مستوى الأندية.
وهكذا انتهت العلاقة التي بدأت رسميًا في صيف 2020.
لا عودة من إعارة هذه المرة.
ولا انتظار لنافذة انتقالات جديدة.
زياش لم يعد لاعبًا في تشيلسي.
لماذا تبدو إسطنبول أكثر ملاءمة لزياش؟
زياش ليس من نوعية اللاعبين الذين يظهر أفضل ما لديهم عندما يلمسون الكرة مرات قليلة فقط.
أسلوبه يحتاج إلى المشاركة في بناء الهجمة، التحرك من الجهة اليمنى إلى الداخل، ومحاولة التمريرات التي لا يختارها لاعب آخر بسهولة.
وهذا النوع من اللاعبين يحتاج أيضًا إلى الثقة.
في أياكس كان جزءًا مركزيًا من النظام الهجومي.
في تشيلسي لم يحصل دائمًا على المكانة نفسها.
أما في غلطة سراي، فأصبح من الممكن بناء دور أكثر وضوحًا له بدل مطالبته في كل مباراة بإثبات نفسه من جديد للحصول على دقائق المباراة التالية.
لكن البقاء ليس ضمانًا للنجاح
تحويل الإعارة إلى انتقال نهائي لا يعني أن التحديات انتهت.
زياش تجاوز الثلاثين من عمره، والاستمرارية البدنية ستكون عنصرًا أساسيًا في تحديد حجم تأثيره خلال الموسم الجديد.
كما أن اللعب في غلطة سراي يحمل ضغطًا خاصًا.
الفريق مطالب بالمنافسة على الدوري، والجماهير لا تتعامل مع البطولات الأوروبية باعتبارها مجرد مكافأة إضافية.
وكلما ارتفعت مكانة اللاعب داخل الفريق، ارتفعت معه التوقعات.
لذلك تبدأ بعد إعلان الصفقة مرحلة أصعب: إثبات أن الموسم الأول لم يكن مجرد فترة جيدة، بل بداية استقرار حقيقي.
وماذا يعني القرار للمنتخب المغربي؟
بالنسبة إلى المنتخب المغربي، قيمة الصفقة لا ترتبط باسم النادي بقدر ارتباطها بوضع اللاعب داخله.
لاعب يشارك باستمرار ويصل إلى فترات التوقف الدولي بإيقاع المباريات يختلف عن لاعب يقضي أسابيع طويلة بين مقاعد البدلاء والمدرجات.
زياش ظل لسنوات أحد أبرز أصحاب الحلول الفردية في الهجوم المغربي، خصوصًا بفضل التمريرة الأخيرة والكرات الثابتة والتسديد بالقدم اليسرى.
لذلك فإن استقرار وضعه مع ناديه يمكن أن يكون عاملًا مهمًا في الحفاظ على جاهزيته للمواعيد الدولية.
من أياكس إلى تشيلسي.. ثم البحث عن زياش القديم
ربما تكون هذه أفضل طريقة لفهم انتقاله النهائي إلى غلطة سراي.
القصة ليست انتقال لاعب من نادٍ إنجليزي إلى نادٍ تركي فحسب.
هي محاولة لإيجاد المكان الذي يسمح لزياش بأن يكون قريبًا مرة أخرى من اللاعب الذي جعل كبار أوروبا يراقبونه في أياكس.
من الصعب إعادة الزمن.
زياش الذي وصل إلى تشيلسي في 2020 ليس اللاعب نفسه من حيث العمر والمرحلة المهنية.
لكن الموهبة التي جعلته مختلفًا لم تختفِ: القدم اليسرى، رؤية الملعب، القدرة على إرسال كرة حاسمة من مسافة بعيدة، والتسديد عندما يعتقد الدفاع أن التمرير هو الخيار الوحيد.
التحدي هو الحفاظ على هذه العناصر حاضرة بصورة منتظمة.
النهاية في لندن.. وليست نهاية القصة
من الطبيعي أن يترك زياش تشيلسي بشعور مختلط.
هناك دوري أبطال أوروبا وكأس السوبر وكأس العالم للأندية.
وهناك أيضًا مباريات كثيرة كان يريد لعبها ولم يلعبها، ومكان أساسي لم يستطع الاحتفاظ به طويلًا.
لهذا فإن وصف تجربته بالنجاح الكامل سيكون مبالغًا فيه، ووصفها بالفشل الكامل يتجاهل ما حققه خلالها.
كانت ببساطة مرحلة لم يصل فيها اللاعب إلى الاستمرارية التي كان ينتظرها عندما غادر أياكس.
وفي صيف 2024 أصبح بإمكان الطرفين أخيرًا وضع النقطة الأخيرة.
تشيلسي بدأ مرحلة جديدة، وغلطة سراي حصل على اللاعب نهائيًا، وزياش لم يعد مضطرًا إلى العودة إلى لندن وانتظار قرار جديد حول مستقبله.
أربع سنوات بعد انتقاله من أياكس إلى تشيلسي، انتهى فصل لندن. أما في إسطنبول، فالسؤال لم يعد أين سيلعب حكيم زياش، بل ماذا سيفعل بالاستقرار الذي بحث عنه طويلًا.
