لم تكن السماء فوق دورتموند هادئة، ولم تكن المباراة كذلك.
في ليلة اجتمع فيها البرق والرعد والأمطار الغزيرة مع قرارات تقنية الفيديو، وجدت ألمانيا نفسها أمام اختبار مختلف تمامًا عن المباريات التي خاضتها في دور المجموعات.
الدنمارك قاومت، هددت مرمى مانويل نوير، واحتفلت للحظات بهدف اعتقدت أنه سيضعها في المقدمة. لكن الـVAR ألغى الهدف، وبعدها مباشرة تقريبًا انتقلت التقنية إلى الجهة الأخرى لتمنح ألمانيا ركلة جزاء.
كاي هافرتز سجل الأولى، وجمال موسيالا أنهى المهمة بالثانية، لتفوز ألمانيا 2-0 وتعبر إلى ربع نهائي يورو 2024.
لكن قراءة النتيجة وحدها لا تشرح ما حدث في دورتموند.
دورتموند كانت تستعد لمباراة.. ثم جاءت العاصفة
دخل المنتخب الألماني المواجهة بصفته صاحب الأرض ومتصدر المجموعة الأولى، بعد بداية قوية في البطولة.
خمسة أهداف أمام اسكتلندا، انتصار على المجر، ثم تعادل متأخر أمام سويسرا ضمن لألمانيا صدارة المجموعة.
أما الدنمارك فوصلت إلى دور الـ16 بطريقة مختلفة تمامًا. ثلاثة تعادلات أمام سلوفينيا وإنجلترا وصربيا كانت كافية للحصول على المركز الثاني في المجموعة الثالثة.
على الورق، بدت ألمانيا المرشح الأوضح.
وعندما بدأت المباراة، حاول أصحاب الأرض تأكيد ذلك سريعًا.
ألمانيا تضغط منذ البداية.. وشمايكل يرفض الهدف
لم تنتظر ألمانيا طويلًا حتى تضع الدفاع الدنماركي تحت الضغط.
اعتقد نيكو شلوتربيك أنه سجل مبكرًا بضربة رأس، لكن الهدف لم يُحتسب بسبب مخالفة حدثت أثناء تنفيذ الركلة الركنية.
استمر الضغط بعد ذلك.
جوشوا كيميش جرب التسديد، وكاي هافرتز هدد المرمى، فيما وجد الحارس كاسبر شمايكل نفسه مطالبًا بالتدخل أكثر من مرة خلال البداية الألمانية القوية.
كانت ألمانيا تتحرك بسرعة وتحاول استغلال حماس المدرجات، بينما احتاجت الدنمارك إلى بعض الوقت للخروج من الضغط.
ومع مرور الدقائق بدأت المباراة تتوازن.
الدنمارك تنجو من البداية وتبدأ في الرد
لم يكن المنتخب الدنماركي مستعدًا لقضاء المباراة كاملة وهو يدافع أمام منطقة جزائه.
بعد مرور الموجة الألمانية الأولى، بدأ فريق كاسبر هيولماند في الاحتفاظ بالكرة بصورة أفضل، وأصبح راسموس هويلوند وكريستيان إريكسن أكثر حضورًا في المناطق الأمامية.
المباراة التي بدت في بدايتها وكأنها ستسير في اتجاه واحد أصبحت أكثر توازنًا.
لكن قبل أن يصل أي منتخب إلى الهدف، حدث شيء لم يكن له علاقة بالتكتيك.
الدقيقة 35.. الحكم ينظر إلى السماء
كانت الغيوم السوداء قد بدأت تحيط بالملعب، ثم ظهر البرق بصورة قوية فوق دورتموند.
تبعته أصوات الرعد والأمطار الغزيرة، وأصبحت الظروف أكثر صعوبة.
في الدقيقة 35، قرر الحكم إيقاف المباراة بسبب سوء الأحوال الجوية.
غادر اللاعبون أرضية الملعب، وبقي الجمهور ينتظر وسط مشهد غير معتاد في مباراة إقصائية ببطولة أوروبا.
تحولت الأنظار من الكرة إلى السماء.
ولفترة من الوقت، لم يعد السؤال: من سيسجل أولًا؟
بل: متى ستعود المباراة؟
بعد البرق.. عادت كرة القدم
عندما تحسنت الظروف وعاد اللاعبون إلى الملعب، كان عليهم استعادة تركيزهم بسرعة.
الإيقاف الطويل قادر على كسر إيقاع أي فريق، لكن ألمانيا حاولت استعادة الضغط الذي بدأت به المباراة.
هافرتز هدد مجددًا بضربة رأس، وشمايكل تدخل.
لكن الدنمارك ردت بفرصة أخطر.
انطلق هويلوند في هجمة مرتدة ووصل إلى مواجهة نوير، إلا أن الحارس الألماني خرج في التوقيت المناسب ومنعه من التسجيل.
انتهى الشوط الأول 0-0.
حتى تلك اللحظة، كانت العاصفة أكثر حضورًا على لوحة أحداث المباراة من الأهداف.
ثم جاءت الدقائق التي غيرت كل شيء
إذا كانت العاصفة هي قصة الشوط الأول، فإن تقنية الفيديو أصبحت قصة بداية الشوط الثاني.
بعد العودة من الاستراحة، وصلت كرة داخل منطقة الجزاء الألمانية، واستفاد يواكيم أندرسن من الارتباك ليسددها داخل شباك نوير.
احتفل لاعبو الدنمارك.
للحظات، أصبحت النتيجة المفترضة 1-0 للدنمارك.
لكن الاحتفال لم يدم.
هدف دنماركي يختفي بسبب سنتيمترات
تدخلت تقنية الفيديو لمراجعة الهجمة التي سبقت هدف أندرسن.
المراجعة أظهرت وجود تسلل ضئيل على توماس ديلاني في بناء الهجمة.
القرار: إلغاء الهدف.
من لحظة كان فيها المنتخب الدنماركي يعتقد أنه تقدم على أصحاب الأرض، عاد كل شيء إلى 0-0.
لكن الصدمة الحقيقية للدنمارك لم تكن قد انتهت.
بعد لحظات فقط، أصبحت تقنية الفيديو محور المباراة مرة أخرى.
أندرسن من صاحب هدف إلى متسبب في ركلة جزاء
أرسل دافيد راوم كرة عرضية من الجهة اليسرى، ولامست الكرة يد يواكيم أندرسن داخل منطقة الجزاء.
استمر اللعب في البداية، قبل أن يتدخل الـVAR وتتم مراجعة اللقطة.
هذه المرة جاء القرار لمصلحة ألمانيا.
ركلة جزاء.
كان أندرسن قبل لحظات يحتفل بهدف في مرمى نوير.
والآن أصبح اللاعب نفسه محور اللقطة التي منحت ألمانيا فرصة التقدم.
ربما لا توجد دقائق تلخص قسوة مباريات خروج المغلوب أفضل من ذلك.
هافرتز لا يهدر الهدية
تقدم كاي هافرتز لتنفيذ ركلة الجزاء في الدقيقة 53.
أمامه كان كاسبر شمايكل، الذي قدم بداية قوية وتصدى لعدد من المحاولات الألمانية.
لكن هافرتز حافظ على هدوئه.
سدد الكرة بنجاح.
ألمانيا 1-0 الدنمارك.
خلال فترة قصيرة جدًا انتقلت الدنمارك من الاحتفال بهدف التقدم إلى مشاهدة ألمانيا تتقدم من علامة الجزاء.
هنا تغيرت طبيعة المباراة.
التأخر أجبر الدنمارك على تغيير حساباتها
قبل الهدف، كان بإمكان الدنمارك الحفاظ على توازنها والانتظار.
بعده لم يعد ذلك كافيًا.
الفريق أصبح مطالبًا بالتقدم أكثر، ومع كل لاعب يتحرك إلى الأمام تظهر مساحة جديدة يمكن لألمانيا استخدامها خلف الخطوط.
حصل هافرتز نفسه على فرصة كبيرة لإضافة الهدف الثاني، وانفرد تقريبًا بشمايكل قبل أن يحاول إسقاط الكرة من فوقه، لكنها مرت خارج المرمى.
كانت فرصة لإغلاق المباراة مبكرًا.
لكن الدنمارك بقيت حية.
هويلوند أمام نوير.. والفرصة تضيع
لم تستسلم الدنمارك بعد الهدف الألماني.
وصل راسموس هويلوند إلى فرصة مهمة وأطلق تسديدة باتجاه المرمى.
لكن نوير كان حاضرًا.
تصدى الحارس الألماني للكرة وحافظ على تقدم منتخب بلاده.
كانت تلك إحدى اللحظات التي يمكن أن تغير مباراة إقصائية بالكامل.
لو سجلت الدنمارك، لكانت النتيجة عادت إلى التعادل، ولعاد الضغط إلى ألمانيا والجمهور المضيف.
لكن نوير أبقى الباب مغلقًا.
وبعد دقيقتين تقريبًا، جاءت الضربة الثانية في الجهة الأخرى.
كرة طويلة.. وموسيالا يرى المساحة
لم يحتج الهدف الثاني إلى بناء هجومي طويل.
نيكو شلوتربيك أرسل كرة طويلة خلف الدفاع الدنماركي.
وجد جمال موسيالا أمامه مساحة كبيرة.
انطلق نحو المرمى، دخل منطقة الجزاء، ثم وضع الكرة بهدوء بعيدًا عن شمايكل.
الدقيقة 68.
ألمانيا 2-0 الدنمارك.
هذه المرة لم يكن هناك VAR يعيد النتيجة إلى الوراء.
أصبح الطريق إلى ربع النهائي مفتوحًا أمام أصحاب الأرض.
موسيالا لا يحتاج إلى مباراة كاملة كي يترك بصمته
هدف الدنمارك كان الثالث لجمال موسيالا في أربع مباريات فقط خلال يورو 2024.
كان قد سجل أمام اسكتلندا والمجر، ثم أضاف هدفًا جديدًا في أول مباراة إقصائية لألمانيا.
لكن ما يميز هدف دورتموند هو الطريقة التي جاء بها.
لم يكن نتيجة استحواذ طويل أو تبادل عشرات التمريرات، بل استغلال مباشر لمساحة خلف دفاع اضطر إلى التقدم بحثًا عن التعادل.
قراءة المساحة، سرعة الانطلاق، ثم الهدوء أمام الحارس.
ثلاثة عناصر كانت كافية لتحويل تقدم هش 1-0 إلى أفضلية أكثر أمانًا.
روديغر.. الرجل الذي منع الدنمارك من العودة
الأهداف ذهبت إلى هافرتز وموسيالا، لكن جائزة رجل المباراة ذهبت إلى مدافع.
أنطونيو روديغر قدم مباراة قوية في قلب الدفاع الألماني، خصوصًا عندما حاولت الدنمارك العودة بعد التأخر.
دخل في الالتحامات، تعامل مع الكرات الهوائية، وساعد ألمانيا على حماية المنطقة في الفترات التي حاول فيها المنافس رفع الإيقاع.
ولهذا اختاره الاتحاد الأوروبي لكرة القدم أفضل لاعب في اللقاء.
في مباراة انتهت 2-0، كان الحفاظ على الشباك نظيفة جزءًا من التأهل بقدر أهمية الهدفين.
هل كانت النتيجة مريحة كما تبدو؟
عند النظر إلى النتيجة بعد المباراة، قد يبدو أن ألمانيا عبرت بسهولة.
لكن أحداث اللقاء تقول شيئًا آخر.
الدنمارك كانت قريبة من التسجيل قبل الاستراحة عبر هويلوند، ثم وضعت الكرة فعلًا داخل المرمى في بداية الشوط الثاني قبل إلغاء الهدف.
وبعد تقدم ألمانيا، حصل هويلوند على فرصة أخرى أجبرت نوير على التدخل.
الفارق الحقيقي لم يكن أن الدنمارك لم تهدد.
الفارق أن ألمانيا كانت أكثر قدرة على استغلال اللحظات التي مالت فيها المباراة إلى جانبها.
ليلة قاسية ليواكيم أندرسن
إذا كان هناك لاعب يستطيع تلخيص جنون هذه المباراة، فهو يواكيم أندرسن.
في بداية الشوط الثاني، وضع الكرة في شباك ألمانيا وبدأ الاحتفال بأهم هدف ممكن لمنتخب بلاده.
ثم جاء قرار التسلل وألغى الهدف.
وبعدها مباشرة تقريبًا، كانت لمسة يده سببًا في ركلة الجزاء التي سجل منها هافرتز.
خلال دقائق قليلة انتقل أندرسن من الشعور بأنه وضع الدنمارك في المقدمة إلى رؤية المنافس يتقدم بسبب لقطة كان هو طرفًا فيها.
كرة القدم لا تمنح دائمًا وقتًا لاستيعاب ما حدث.
الدنمارك تغادر دون فوز واحد
وصلت الدنمارك إلى دور الـ16 رغم أنها لم تحقق أي انتصار في مجموعتها.
تعادلت 1-1 مع سلوفينيا، ثم قدمت مباراة قوية أمام إنجلترا وانتهت أيضًا 1-1، قبل التعادل السلبي مع صربيا.
ثلاث نقاط كانت كافية للعبور في المركز الثاني.
لكن ألمانيا كانت الاختبار الذي أنهى الرحلة.
وبالخسارة في دورتموند، أنهى المنتخب الدنماركي مشاركته في يورو 2024 دون تحقيق أي فوز.
ألمانيا تتجاوز أول اختبار إقصائي
بالنسبة إلى ألمانيا، كانت أهمية المباراة أكبر من مجرد الانتقال من دور إلى آخر.
المنتخب المضيف دخل البطولة وسط آمال كبيرة بإعادة الثقة إلى كرة القدم الألمانية بعد إخفاقات البطولات الكبرى السابقة.
دور المجموعات قدم إشارات إيجابية، لكن مباريات خروج المغلوب لها قواعد أخرى.
لا توجد فرصة لإصلاح الخطأ في الجولة التالية.
أمام الدنمارك واجه الفريق لحظات صعبة: توقف طويل، فرصة خطيرة لهويلوند، هدف دنماركي ألغي، ثم مباراة بقيت مفتوحة حتى الهدف الثاني.
ومع ذلك خرج بشباك نظيفة وانتصار 2-0.
من نهائي 1992 إلى دورتموند 2024
تحمل مواجهات ألمانيا والدنمارك في بطولة أوروبا ذكرى لا يمكن تجاهلها.
في نهائي يورو 1992، صنعت الدنمارك واحدة من أشهر مفاجآت تاريخ البطولة عندما هزمت ألمانيا 2-0 وتوجت باللقب الأوروبي.
بعد 32 عامًا، ظهرت النتيجة نفسها على اللوحة.
لكن الاتجاه انعكس.
هذه المرة ألمانيا هي التي سجلت هدفين، والدنمارك هي التي غادرت البطولة.
لم يكن الأمر ثأرًا لنهائي مضى عليه أكثر من ثلاثة عقود، لكنه منح نتيجة 2-0 مفارقة تاريخية جميلة لهذه المواجهة.
المباراة التي غيرتها التقنية في دقائق
سيبقى الجدل حول الـVAR جزءًا أساسيًا من ذاكرة هذه المباراة.
بالنسبة إلى الدنمارك، كان الفارق بين التقدم 1-0 والتأخر 0-1 عبارة عن سلسلة من التفاصيل الصغيرة جدًا.
تسلل في بناء الهجمة ألغى هدف أندرسن.
ثم لمسة يد على المدافع نفسه منحت ألمانيا ركلة جزاء.
يمكن مناقشة القوانين وطريقة تطبيقها طويلًا، لكن النتيجة داخل الملعب كانت واضحة: ألمانيا استفادت من اللحظة، والدنمارك لم تستطع استعادة التوازن قبل أن يأتي هدف موسيالا.
ليلة لم يكن فيها الملعب وحده بطل المشهد
بدأت ألمانيا المباراة بقوة، ثم قاومت الدنمارك.
بعدها أوقف البرق كرة القدم.
وعندما عادت المباراة، ظهر نوير أمام هويلوند، ثم جاء الشوط الثاني بما يكفي من الأحداث لمباراة كاملة.
هدف دنماركي.
VAR.
تسلل.
لمسة يد.
ركلة جزاء.
هدف هافرتز.
ثم انطلاقة موسيالا التي وضعت النهاية.
لهذا لا تختصر ليلة دورتموند في عبارة «ألمانيا فازت 2-0».
كانت مباراة مرت بالعاصفة حرفيًا، ثم بعاصفة أخرى من القرارات والأحداث داخل الملعب.
وفي النهاية، بقي أصحاب الأرض واقفين.
هافرتز سجل الأول، موسيالا حسم الثاني، وروديغر قاد الدفاع.. وألمانيا عبرت ليلة البرق والـVAR إلى ربع نهائي يورو 2024.
