كانت الساعة تقترب من الدقيقة 120 في شتوتغارت.
إسبانيا وألمانيا متعادلتان 1-1، الإرهاق يسيطر على اللاعبين، وركلات الترجيح أصبحت تبدو النهاية الأقرب لواحدة من أكثر مباريات يورو 2024 إثارة.
ثم وصلت الكرة إلى داني أولمو على الجهة اليسرى.
رفع رأسه وأرسل عرضية إلى داخل منطقة الجزاء، وفي اللحظة المناسبة تمامًا اندفع ميكيل ميرينو بين المدافعين الألمان وارتقى عاليًا.
ضربة رأس واحدة كانت كافية.
الكرة دخلت شباك مانويل نوير، وميرينو انطلق للاحتفال، بينما تحولت مدرجات شتوتغارت المليئة بالجماهير الألمانية إلى مشهد من الصدمة.
الدقيقة 119: إسبانيا 2-1 ألمانيا.
لكن لفهم لماذا أصبحت هذه الرأسية واحدة من أهم لحظات البطولة، يجب العودة إلى بداية مباراة لم تسر بالطريقة التي خططت لها إسبانيا.
بعد ثماني دقائق فقط.. الخطة الإسبانية تتلقى ضربة
دخل المنتخبان ربع نهائي يورو 2024 وهما من أبرز المرشحين للذهاب بعيدًا في البطولة.
إسبانيا وصلت إلى المباراة بعدما حققت أربعة انتصارات متتالية، بينما كانت ألمانيا تلعب على أرضها وبين جماهيرها وتحلم بمواصلة الطريق نحو النهائي.
الإيقاع كان قويًا منذ البداية.
لكن أول تحول كبير لم يكن هدفًا.
بيدري تعرض لإصابة بعد تدخل من توني كروس، ولم يتمكن لاعب وسط إسبانيا من مواصلة المباراة.
وفي الدقيقة الثامنة تقريبًا، اضطر لويس دي لا فوينتي إلى إجراء تغيير مبكر لم يكن ضمن حساباته.
خرج بيدري.
ودخل داني أولمو.
في تلك اللحظة، بدا التغيير مشكلة لإسبانيا.
بعد نحو ساعتين من كرة القدم، اتضح أنه أصبح أحد أهم مفاتيح الفوز.
أولمو يدخل اضطراريًا.. ثم يغير المباراة
انتهى الشوط الأول دون أهداف، بعد مواجهة قوية حاول فيها المنتخبان فرض السيطرة على وسط الملعب.
ومع بداية الشوط الثاني، بدأت إسبانيا تبحث بصورة أسرع عن المساحات خلف الخطوط الألمانية.
وفي الدقيقة 51، حصل لامين يامال على الكرة من الجهة اليمنى.
تقدم ثم مرر كرة منخفضة باتجاه حدود منطقة الجزاء.
كان أولمو قادمًا من الخلف في التوقيت المثالي.
سدد مباشرة نحو الزاوية البعيدة، ولم يتمكن مانويل نوير من منع الكرة من دخول الشباك.
إسبانيا 1-0 ألمانيا.
اللاعب الذي دخل بسبب إصابة زميله أصبح صاحب الهدف الذي وضع أصحاب الأرض على حافة الخروج.
ألمانيا ترفض النهاية
التأخر أجبر يوليان ناغلسمان على زيادة المخاطرة.
دخل نيكلاس فولكروغ وفلوريان فيرتز، وأصبح المنتخب الألماني أكثر مباشرة في الهجوم.
لم تعد المباراة تدور فقط حول الاستحواذ والسيطرة على وسط الملعب. ألمانيا بدأت تدفع بالمزيد من اللاعبين نحو منطقة الجزاء، وتبحث عن الكرات العرضية والكرات الثانية.
وفي الدقيقة 77، كان فولكروغ قريبًا جدًا من التعادل، لكن محاولته اصطدمت بالقائم.
ثم حاول كاي هافرتز استغلال تقدم أوناي سيمون، إلا أن كرته مرت فوق المرمى.
الوقت كان ينفد.
إسبانيا أصبحت على بعد دقائق قليلة من نصف النهائي.
لكن ألمانيا لم تكن قد قالت كلمتها الأخيرة.
الدقيقة 89.. فيرتز يعيد ألمانيا من الباب الأخير
قبل نهاية الوقت الأصلي بدقيقة تقريبًا، وصلت كرة عرضية إلى داخل منطقة الجزاء الإسبانية.
أعاد جوشوا كيميش الكرة بالرأس إلى الخلف، وهناك ظهر فلوريان فيرتز.
سدد لاعب الوسط الألماني الكرة، فاصطدمت بالقائم ودخلت الشباك.
1-1.
انفجر الملعب.
قبل لحظات كانت إسبانيا ترى نصف النهائي أمامها، والآن أصبحت مطالبة بخوض 30 دقيقة إضافية أمام منتخب ألماني استعاد ثقته وجماهيره في اللحظة الأخيرة.
ثلاثون دقيقة أصبحت اختبارًا للأعصاب
الوقت الإضافي لم يكن مجرد امتداد للمباراة.
الإرهاق أصبح واضحًا، والمساحات بدأت تظهر، وأي خطأ كان قادرًا على إنهاء البطولة لأحد المنتخبين.
إسبانيا هددت عبر ميكيل أويارزابال، بينما اقترب فيرتز من تسجيل هدف ثانٍ لألمانيا.
كما اضطر أوناي سيمون للتدخل أمام رأسية خطيرة من فولكروغ.
مرت الدقائق.
105.
110.
115.
كل شيء كان يشير إلى أن ركلات الترجيح أصبحت قريبة.
حتى جاءت الدقيقة التي غيرت القصة.
الدقيقة 119
كانت إسبانيا تبني هجمة أخيرة تقريبًا.
وصلت الكرة إلى داني أولمو.
داخل منطقة الجزاء، بدأ ميكيل ميرينو تحركه.
لم يكن الأمر مجرد انتظار كرة عرضية؛ فقد اختار لحظة الانطلاق التي سمحت له بالوصول إلى الكرة قبل الدفاع الألماني.
أرسل أولمو العرضية.
ارتقى ميرينو وضرب الكرة برأسه نحو المرمى.
نوير لم يصل إليها.
2-1 لإسبانيا.
الهدف سُجل عند 118 دقيقة و52 ثانية، ليصبح أحد أكثر أهداف الفوز تأخرًا في تاريخ مباريات بطولة أوروبا.
بعد أكثر من 118 دقيقة من الصراع، حُسمت المباراة في لحظة واحدة.
احتفال لم يكن عشوائيًا
بعد التسجيل، انطلق ميرينو نحو زاوية الملعب ودار حول الراية محتفلًا بهدفه التاريخي.
وكان للمشهد معنى عائلي خاص.
والده، ميغيل ميرينو، كان لاعب كرة قدم هو الآخر، وسبق له التسجيل في الملعب نفسه بمدينة شتوتغارت عام 1991 عندما كان يلعب مع أوساسونا أمام شتوتغارت في كأس الاتحاد الأوروبي.
وبعد أكثر من ثلاثة عقود، جاء الابن ليسجل في المدينة نفسها هدفًا قاد منتخب بلاده إلى نصف نهائي بطولة أوروبا.
ولهذا لم تكن ليلة شتوتغارت مجرد لحظة كروية بالنسبة لميرينو، بل أصبحت قصة تمتد بين جيلين.
بطل المباراة لم يبدأها
قد تحمل صورة الهدف الأخير اسم ميكيل ميرينو، لكن أحد أهم مفاتيح انتصار إسبانيا كان داني أولمو.
أولمو لم يكن ضمن التشكيلة الأساسية.
دخل اضطراريًا بعد إصابة بيدري، ثم سجل هدف إسبانيا الأول وصنع هدف ميرينو في الدقيقة 119.
وفي النهاية اختاره الاتحاد الأوروبي لكرة القدم رجل المباراة.
من لاعب لم يكن مخططًا له أن يبدأ اللقاء إلى صاحب مساهمة مباشرة في هدفي الفوز؛ تلك كانت واحدة من القصص التي جعلت مباراة ألمانيا مختلفة.
حتى الأهداف الثلاثة جاءت من مقاعد البدلاء
هناك تفصيل آخر يلخص طبيعة هذه المباراة.
داني أولمو بدأ اللقاء على مقاعد البدلاء قبل دخوله مكان بيدري.
فلوريان فيرتز، صاحب هدف ألمانيا، دخل مع بداية الشوط الثاني.
وميكل ميرينو دخل في الدقيقة 80 تقريبًا قبل أن يسجل هدف الفوز.
أي أن أصحاب الأهداف الثلاثة لم يكونوا ضمن التشكيلتين الأساسيتين.
وهنا تظهر أهمية القرارات التي اتخذها المدربان أثناء المباراة، وليس فقط الخطة التي بدأت بها المواجهة.
ألمانيا تخرج من بطولتها
بعد هدف ميرينو، لم يبق أمام ألمانيا سوى دقائق قليلة لإنقاذ البطولة.
دفعت بكل ما تملك إلى الأمام.
وفي الوقت بدل الضائع من الشوط الإضافي الثاني، حصل داني كارفاخال على البطاقة الحمراء بعد إيقاف هجمة ألمانية، لكن الوقت لم يعد كافيًا.
جاءت صافرة النهاية.
إسبانيا إلى نصف النهائي.
وألمانيا تودع بطولة أقيمت على أرضها.
كانت النهاية مؤلمة بشكل خاص للجماهير الألمانية، كما كانت آخر مباراة دولية لتوني كروس، الذي كان قد أعلن أن يورو 2024 ستكون محطته الأخيرة قبل الاعتزال.
المباراة التي أثبتت أن إسبانيا تستطيع المعاناة أيضًا
قبل مواجهة ألمانيا، أظهرت إسبانيا قدرتها على تقديم كرة هجومية جذابة، مستفيدة من سرعة نيكو ويليامز ولامين يامال ومن سيطرتها في وسط الملعب.
لكن مباراة شتوتغارت قدمت اختبارًا مختلفًا.
خسرت بيدري مبكرًا.
تقدمت ثم استقبلت هدف التعادل في الدقيقة 89.
واجهت أصحاب الأرض وسط ضغط جماهيري كبير.
واضطرت إلى الصمود في الوقت الإضافي.
ومع ذلك، وجدت هدف الفوز قبل النهاية بلحظات.
لم يكن الانتصار 2-1 مجرد بطاقة عبور إلى نصف النهائي، بل كان دليلًا على أن المنتخب الإسباني قادر على الفوز حتى عندما تتحول المباراة إلى اختبار بدني ونفسي طويل.
من شتوتغارت إلى لقب أوروبا
لم تتوقف قصة إسبانيا عند رأسية ميرينو.
بعد إقصاء ألمانيا، انتقلت لاروخا إلى ميونيخ لمواجهة فرنسا في نصف النهائي.
تأخرت إسبانيا بهدف كولو مواني، قبل أن تقلب النتيجة بواسطة لامين يامال وداني أولمو وتفوز 2-1.
ثم وصلت إلى برلين لمواجهة إنجلترا في النهائي.
وهناك سجل نيكو ويليامز، وتعادلت إنجلترا بواسطة كول بالمر، قبل أن يسجل ميكيل أويارزابال هدف الفوز في الدقيقة 86.
فازت إسبانيا بالنهائي 2-1 وتوجت بلقب أوروبا للمرة الرابعة في تاريخها.
وعندما ننظر إلى مشوار البطل كاملًا، تبقى مباراة ألمانيا واحدة من أصعب محطاته.
رأسية بقيت في ذاكرة يورو 2024
يمكن تلخيص مباراة إسبانيا وألمانيا بالأهداف الثلاثة: أولمو في الدقيقة 51، فيرتز في الدقيقة 89، وميرينو في الدقيقة 119.
لكن الأرقام وحدها لا تشرح ما حدث في شتوتغارت.
كانت هناك إصابة مبكرة غيرت خطة إسبانيا، وبديل تحول إلى رجل المباراة، وأصحاب أرض عادوا قبل النهاية بدقيقة، ووقت إضافي بدا متجهًا إلى ركلات الترجيح.
ثم جاءت عرضية أولمو.
ثم ارتقاء ميرينو.
ثم الرأسية.
118 دقيقة و52 ثانية كانت قد مرت عندما دخلت الكرة الشباك.
وبعد ثوانٍ، لم تعد ألمانيا تحلم بالفوز باليورو على أرضها.
أما إسبانيا، فقد خرجت من شتوتغارت وهي تعرف أن طريقها إلى الكأس ما زال مفتوحًا.
