حين يجتمع منتخبا إسبانيا وفرنسا في بطولة أمم أوروبا، فإن المباراة غالبًا لا تكون مجرد مواجهة عادية بين قوتين كبيرتين. تاريخ المنتخبين في اليورو يكشف عن سلسلة قصيرة نسبيًا من اللقاءات المباشرة، لكنها تركت لحظات يصعب نسيانها: نهائي حسم بطولة، ركلة جزاء ضائعة غيرت مصير مباراة، ثنائية قادت جيلًا إسبانيًا تاريخيًا، ثم هدف أطلق لاعبًا في السادسة عشرة إلى واجهة كرة القدم العالمية.
من باريس 1984 إلى ميونيخ 2024، تبدلت الأجيال والأسماء وأساليب اللعب، لكن بقيت مواجهة إسبانيا وفرنسا واحدة من المباريات التي تحمل وزنًا خاصًا عندما تأتي في الأدوار الإقصائية.
البداية الكبرى: فرنسا تحرم إسبانيا من لقب يورو 1984
أول فصل كبير في قصة المنتخبين داخل بطولة أوروبا لم يكن في دور المجموعات أو ربع النهائي، بل جاء مباشرة على أكبر مسرح ممكن: المباراة النهائية.
في 27 يونيو 1984، دخلت فرنسا وإسبانيا ملعب بارك دي برانس في باريس بحثًا عن اللقب الأوروبي.
المنتخب الفرنسي كان يعيش بطولة استثنائية بقيادة ميشيل بلاتيني، بينما وصلت إسبانيا إلى النهائي بعد مشوار منحها فرصة استعادة مكانتها بين كبار القارة.
ظل التعادل قائمًا حتى الدقيقة 57، عندما حصلت فرنسا على ركلة حرة مباشرة قرب منطقة الجزاء.
تولى بلاتيني تنفيذها، ومرت الكرة بطريقة أربكت الحارس الإسباني لويس أركونادا قبل أن تدخل الشباك.
كانت تلك اللحظة واحدة من أشهر صور نهائي 1984.
وفي الدقيقة الأخيرة، أضاف برونو بيلون الهدف الثاني، لتنتهي المباراة بفوز فرنسا 2-0 وتتوج باللقب الأوروبي على أرضها.
بالنسبة لإسبانيا، لم تكن الهزيمة مجرد خسارة مباراة؛ فقد ضاع اللقب أمام جيل فرنسي كان في ذروة تألقه.
بعد 16 عامًا.. زيدان يعيد فرنسا إلى الواجهة
احتاج المنتخبان إلى سنوات طويلة قبل أن يلتقيا مجددًا في بطولة أوروبا.
وجاء الموعد الثاني يوم 25 يونيو 2000 في ربع نهائي يورو 2000.
فرنسا دخلت البطولة بصفتها بطلة العالم، وبمجموعة تضم أسماء أصبحت من رموز ذلك الجيل، وعلى رأسها زين الدين زيدان وديدييه ديشان وليليان تورام وباتريك فييرا.
أما إسبانيا فكانت تبحث عن إسقاط بطل العالم وفتح الطريق نحو نصف النهائي.
في الدقيقة 32، حصلت فرنسا على ركلة حرة مباشرة.
هذه المرة كان صاحب اللحظة زين الدين زيدان، الذي وضع الكرة في الشباك ومنح فرنسا التقدم.
لكن إسبانيا لم تنتظر طويلًا، إذ حصلت على ركلة جزاء سجل منها غايزكا مندييتا هدف التعادل في الدقيقة 38.
المباراة عادت إلى نقطة البداية، لكن ذلك لم يستمر سوى دقائق.
في الدقيقة 44، سجل يوري دجوركاييف الهدف الثاني لفرنسا، لينتهي الشوط الأول بتقدم الديوك 2-1.
ركلة راؤول التي كان يمكن أن تغير كل شيء
القصة الحقيقية لمباراة 2000 لم تنته عند هدف دجوركاييف.
قرب النهاية، حصل المنتخب الإسباني على فرصة ذهبية لإعادة المباراة إلى التعادل عندما احتسب الحكم ركلة جزاء.
تقدم راؤول غونزاليس لتنفيذها.
لو دخلت الكرة الشباك، كان من الممكن أن تأخذ المباراة مسارًا مختلفًا تمامًا.
لكن راؤول سدد فوق المرمى.
ضاعت الفرصة، وحافظت فرنسا على تقدمها 2-1 حتى صافرة النهاية.
ولم يتوقف المشوار الفرنسي عند إقصاء إسبانيا، إذ واصل المنتخب طريقه حتى توج باللقب الأوروبي، ليجمع كأس العالم 1998 ويورو 2000 في واحدة من أقوى فترات الكرة الفرنسية.
2012.. عندما تغير اتجاه التاريخ
إذا كانت فرنسا قد خرجت منتصرة من مواجهتي 1984 و2000، فإن لقاء 2012 جاء في فترة مختلفة تمامًا.
إسبانيا كانت حينها القوة المهيمنة على كرة القدم العالمية.
المنتخب الإسباني وصل إلى يورو 2012 وهو يحمل لقب البطولة الأوروبية السابقة، إضافة إلى كأس العالم 2010.
وفي 23 يونيو 2012، التقى المنتخبان في ربع النهائي بمدينة دونيتسك.
هذه المرة لم تمنح إسبانيا فرنسا فرصة كتابة سيناريو مشابه لما حدث في الماضي.
تشابي ألونسو يحتفل بالمباراة رقم 100 بطريقته
كانت الليلة مميزة لتشابي ألونسو، الذي خاض مباراته الدولية رقم 100 مع المنتخب الإسباني.
وفي الدقيقة 19، حول ألونسو عرضية جوردي ألبا برأسه إلى داخل الشباك، ليضع إسبانيا في المقدمة.
بعد الهدف، نجح المنتخب الإسباني في إدارة المباراة بأسلوبه القائم على الاستحواذ والتحكم في الإيقاع، بينما واجهت فرنسا صعوبة في صناعة فرص كافية لتغيير النتيجة.
ومع اقتراب المباراة من نهايتها، حصلت إسبانيا على ركلة جزاء.
تقدم تشابي ألونسو مجددًا وسجل الهدف الثاني في الدقيقة 90+1.
انتهت المباراة 2-0 لإسبانيا.
كانت تلك أول مرة تهزم فيها إسبانيا فرنسا في مباراة رسمية كبرى، والأهم أن الانتصار لم يكن سوى محطة في طريق لاروخا نحو لقب تاريخي جديد.
بعدها تجاوزت إسبانيا البرتغال في نصف النهائي بركلات الترجيح، ثم اكتسحت إيطاليا 4-0 في النهائي لتحتفظ بكأس أوروبا.
ثم جاء جيل جديد تمامًا
بعد 2012، تغير الكثير.
انتهت حقبة تشافي وإنييستا وتشابي ألونسو، وظهرت أجيال جديدة في المنتخبين.
فرنسا عادت إلى قمة العالم بالتتويج بكأس العالم 2018، بينما بدأت إسبانيا عملية إعادة بناء طويلة بحثًا عن جيل قادر على إعادة المنتخب إلى منصات التتويج.
وقبل عودة المواجهة إلى اليورو، التقى المنتخبان في نهائي دوري الأمم الأوروبية عام 2021.
تقدمت إسبانيا عبر ميكيل أويارزابال، لكن كريم بنزيما أدرك التعادل سريعًا، قبل أن يسجل كيليان مبابي هدف فوز فرنسا 2-1.
لم تكن تلك المباراة ضمن بطولة أوروبا، لكنها أعادت إشعال التنافس قبل الفصل التالي والأكثر إثارة في 2024.
ميونيخ 2024.. فرنسا تبدأ وإسبانيا تقلب كل شيء
في 9 يوليو 2024، اجتمع المنتخبان مرة أخرى في اليورو.
لكن هذه المرة كانت بطاقة المباراة النهائية هي الجائزة.
أقيم نصف النهائي في ميونيخ، ودخلت إسبانيا اللقاء بعد مشوار قوي، بينما وصلت فرنسا بعد إقصاء البرتغال بركلات الترجيح.
البداية كانت فرنسية.
في الدقيقة التاسعة، أرسل كيليان مبابي كرة عرضية حولها راندال كولو مواني برأسه إلى الشباك.
فرنسا 1-0 إسبانيا.
وبالنظر إلى قوة الدفاع الفرنسي خلال البطولة، بدا الهدف المبكر وكأنه قد يضع إسبانيا أمام واحدة من أصعب مبارياتها.
لكن لاعبًا لم يكن قد بلغ السابعة عشرة بعد كان لديه رأي آخر.
الدقيقة 21.. لامين يامال يكتب فصلًا جديدًا
تسلم لامين يامال الكرة خارج منطقة الجزاء، ثم أطلق تسديدة مقوسة بقدمه اليسرى اصطدمت بالقائم واستقرت داخل مرمى مايك مينيان.
لم يكن هدف التعادل مجرد هدف جميل في نصف نهائي بطولة كبرى.
كان يامال يبلغ 16 عامًا و362 يومًا، ليصبح أصغر هداف في تاريخ بطولة أمم أوروبا.
وبعد نهاية البطولة، اختار الاتحاد الأوروبي لكرة القدم تسديدته أمام فرنسا كأفضل هدف في يورو 2024.
لكن فرنسا لم تحصل حتى على الوقت الكافي لاستيعاب الصدمة.
من 1-0 إلى 1-2 في أربع دقائق
بعد أربع دقائق فقط من هدف يامال، وصلت الكرة إلى داني أولمو داخل منطقة الجزاء.
سيطر عليها بمهارة، ثم سدد باتجاه المرمى، لتدخل الكرة بعد تدخل جول كوندي.
في الدقيقة 25 أصبحت النتيجة:
إسبانيا 2-1 فرنسا.
خلال دقائق قليلة، انقلب نصف النهائي بالكامل.
فرنسا التي بدأت المباراة متقدمة أصبحت مطالبة بالمطاردة، بينما حصلت إسبانيا على الوضع الذي يناسبها لإدارة ما تبقى من اللقاء.
حاول مبابي ورفاقه العودة في الشوط الثاني، لكن المنتخب الإسباني حافظ على تقدمه حتى صافرة النهاية.
وهكذا تأهلت إسبانيا إلى النهائي، قبل أن تهزم إنجلترا 2-1 في برلين وتتوج بلقب يورو 2024.
أربع مباريات في اليورو.. وأربع قصص مختلفة
ما يجعل تاريخ إسبانيا وفرنسا في بطولة أوروبا مميزًا ليس عدد المباريات فقط، بل قيمة كل مواجهة.
| النسخة | الدور | النتيجة | المتأهل/البطل |
|---|---|---|---|
| 1984 | النهائي | فرنسا 2-0 إسبانيا | فرنسا |
| 2000 | ربع النهائي | فرنسا 2-1 إسبانيا | فرنسا |
| 2012 | ربع النهائي | إسبانيا 2-0 فرنسا | إسبانيا |
| 2024 | نصف النهائي | إسبانيا 2-1 فرنسا | إسبانيا |
هناك تناظر لافت في هذه المواجهات الأربع: فرنسا فازت بأول مباراتين، بينما ردت إسبانيا بالفوز في آخر مباراتين.
والأكثر إثارة أن الفائز في كل واحدة من هذه المواجهات الأربع واصل طريقه في النهاية إلى التتويج بلقب كأس أمم أوروبا.
من بلاتيني وزيدان إلى ألونسو ويامال
يمكن قراءة تاريخ إسبانيا وفرنسا في اليورو من خلال أربعة أسماء تقريبًا.
ميشيل بلاتيني كان بطل الفصل الأول في نهائي 1984.
زين الدين زيدان سجل في ربع نهائي 2000 خلال رحلة فرنسا نحو اللقب.
تشابي ألونسو سجل هدفي إسبانيا في 2012، في البطولة التي أكملت بها لاروخا ثلاثية يورو 2008 وكأس العالم 2010 ويورو 2012.
ثم ظهر لامين يامال في 2024 ليكتب فصلًا جديدًا بهدف أصبح واحدًا من أشهر أهداف البطولة.
أربعة أجيال مختلفة، لكن القاسم المشترك واحد: عندما اصطدمت إسبانيا بفرنسا في اليورو، كان المنتصر قريبًا جدًا من رفع الكأس.
لماذا تبقى مواجهة إسبانيا وفرنسا مختلفة؟
التنافس بين المنتخبين لا يعتمد على عدد هائل من المباريات المباشرة داخل اليورو، بل على وزن المباريات نفسها.
نهائي، ربع نهائي، ربع نهائي آخر، ثم نصف نهائي.
لا توجد بينها مواجهة هامشية تقريبًا.
ولهذا تحمل كل مباراة جديدة بين المنتخبين ذاكرة المباريات التي سبقتها: الفرنسيون يتذكرون باريس 1984 وزيدان في 2000، بينما تستحضر إسبانيا ثنائية ألونسو في 2012 وتسديدة يامال في ميونيخ.
وقد تتغير الأسماء في المواجهة المقبلة، لكن التاريخ يقول إن لقاء إسبانيا وفرنسا في بطولة أوروبا يستحق المتابعة؛ لأن المنتصر في هذه المواجهة لم يكن يكتفي، حتى الآن، بالفوز على منافسه فقط، بل كان ينتهي به المطاف حاملًا للكأس.
