هدف عكسي ينهي صراع فرنسا وبلجيكا في يورو 2024

 

خمس دقائق فقط كانت تفصل فرنسا وبلجيكا عن وقت إضافي في دوسلدورف. مباراة ثقيلة، فرص قليلة مكتملة، حذر واضح من المنتخبين، ونجوم كبار لم يتمكنوا من إيجاد الطريق إلى الشباك.

ثم استلم راندال كولو مواني الكرة داخل منطقة الجزاء، استدار وسدد. لم تكن المحاولة تبدو وكأنها ستصبح واحدة من أهم كرات المباراة، لكن قدم يان فيرتونغن غيرت اتجاهها، فمرت بعيدًا عن الحارس كوين كاستيلس واستقرت في الشباك.

هكذا حُسمت مواجهة فرنسا وبلجيكا في دور الـ16 من كأس أمم أوروبا 2024: هدف عكسي في الدقيقة 85، وانتصار فرنسي 1-0 بعد مباراة ظل فيها الطرفان ينتظران الخطأ الذي ارتكبه الآخر أولًا.

مواجهة كبيرة بدأت بالكثير من الاحترام

عندما تجمع فرنسا وبلجيكا في مباراة إقصائية، من الطبيعي أن ترتفع التوقعات. مبابي وغريزمان في جهة، ودي بروين ولوكاكو ودوكو في الجهة الأخرى، أسماء توحي بمباراة هجومية مفتوحة.

لكن ما حدث في الملعب كان مختلفًا.

لم يرغب أي منتخب في منح الآخر المساحات التي يمكن أن تغير المباراة مبكرًا. فرنسا استحوذت وحاولت التقدم، بينما فضلت بلجيكا الانتظار والبحث عن التحولات بدل الدخول في تبادل مفتوح للهجمات.

النتيجة كانت مباراة تكتيكية أكثر منها استعراضية، أصبحت فيها المساحة أهم من الكرة نفسها.

دي بروين يختبر مينيان أولًا

رغم أن فرنسا كانت الأكثر نشاطًا في مناطق بلجيكا، فإن أول إنذار حقيقي جاء من كيفن دي بروين.

في الدقيقة 24، نفذ قائد بلجيكا ركلة حرة مرت عبر المنطقة بطريقة أربكت الدفاع والحارس.

مايك مينيان شاهد الكرة متأخرًا، لكنه تمكن من إبعادها بقدميه ومنع بلجيكا من الحصول على أفضلية كان يمكن أن تغير شكل اللقاء بالكامل.

كانت تلك اللقطة نموذجًا لما أرادته بلجيكا: لا حاجة إلى امتلاك الكرة لفترات طويلة إذا كان بالإمكان صناعة لحظة خطيرة من فرصة واحدة.

فرنسا تصل.. لكنها لا تصيب الهدف

رد المنتخب الفرنسي بزيادة الضغط.

جول كوندي وجد مساحة على الجهة اليمنى وأرسل كرة عرضية جيدة إلى ماركوس تورام، لكن رأسية المهاجم مرت بجوار المرمى.

وقبل نهاية الشوط الأول، وصلت كرة أخرى إلى أوريلين تشواميني عند حدود المنطقة، إلا أن تسديدته ذهبت فوق العارضة.

المشكلة الفرنسية أصبحت واضحة: الوصول موجود، لكن الدقة غائبة.

كان المنتخب يتحرك حول منطقة جزاء بلجيكا ويصنع وضعيات للتسديد، لكن الحارس كاستيلس لم يكن يتعرض إلى حجم الخطر الذي يفترضه ذلك الضغط.

وانتهى الشوط الأول دون أهداف.

تشواميني يبدأ الشوط الثاني بتهديد مختلف

بعد الاستراحة مباشرة، حاول تشواميني تغيير الطريقة.

سدد من خارج المنطقة، واصطدمت الكرة بمدافع بلجيكا فاوت فايس، ما غير اتجاهها وأجبر كاستيلس على التدخل.

كانت من المحاولات القليلة التي وصلت بالفعل إلى الحارس البلجيكي.

بعدها حاول تورام بالرأس، ثم دخل كيليان مبابي إلى العمق وأطلق تسديدة مرت فوق المرمى.

فرنسا كانت تتقدم أكثر، لكن لوحة النتيجة ظلت ترفض التعبير عن ذلك.

المشكلة لم تكن في صناعة التسديدات

هذا هو التفصيل الذي يفسر جزءًا كبيرًا من المباراة.

فرنسا أنهت اللقاء بـ19 محاولة مقابل خمس فقط لبلجيكا، لكن العدد الكبير أخفى مشكلة أكبر: عدد قليل جدًا من تلك الكرات أجبر كاستيلس على القيام بتدخل حقيقي.

بعبارة أخرى، فرنسا كانت تسدد كثيرًا، لكنها لم تكن تسدد جيدًا بما يكفي.

وهذا جعل مرور الوقت يعمل لمصلحة بلجيكا. فكل دقيقة تنتهي دون هدف كانت تقرب المباراة من سيناريو يمكن أن تحسمه هجمة مرتدة أو كرة ثابتة واحدة.

بلجيكا انتظرت لحظتها

في الدقيقة 71، ظهر روميلو لوكاكو أخيرًا بصورة خطيرة أمام المرمى الفرنسي.

وصلته الكرة وأطلق تسديدة قوية، لكن مينيان تصدى لها.

بعدها حاول ويليام ساليبا من الجانب الفرنسي، إلا أن كرته مرت خارج المرمى.

دخلت المباراة ربع الساعة الأخير ولا شيء يفصل المنتخبين.

وهنا بدأ السيناريو البلجيكي يبدو أكثر خطورة على فرنسا. المنتخب الذي تعرض للضغط معظم الوقت كان لا يزال يحتاج إلى فرصة واحدة فقط لقلب كل الحسابات.

الدقيقة 83.. دي بروين كان قريبًا من تغيير القصة

قبل هدف فرنسا بدقيقتين فقط، حصلت بلجيكا على واحدة من أهم فرص المباراة.

وجد كيفن دي بروين مساحة أمام منطقة الجزاء وسدد كرة قوية باتجاه المرمى.

مرة أخرى، كان مينيان حاضرًا.

أبعد الحارس الفرنسي التسديدة وحافظ على التعادل.

أهمية هذه الكرة لم تظهر كاملة إلا بعد دقيقتين؛ لأن المباراة انتقلت تقريبًا مباشرة من فرصة بلجيكية للتقدم إلى الهدف الذي أقصاها من البطولة.

كولو مواني يدخل.. ثم تأتي الدقيقة 85

كان ديدييه ديشامب قد أدخل راندال كولو مواني بدل ماركوس تورام في الدقيقة 62.

وبعد أكثر من عشرين دقيقة من دخوله، وجد المهاجم الفرنسي نفسه داخل منطقة الجزاء وظهره إلى المرمى.

استلم الكرة، دار بسرعة وسدد باتجاه كاستيلس.

هنا تدخلت التفصيلة التي بحثت عنها فرنسا طوال المباراة.

اصطدمت الكرة بيان فيرتونغن، فتغير مسارها وخدعت الحارس البلجيكي قبل أن تدخل الشباك.

فرنسا 1-0 بلجيكا في الدقيقة 85.

الهدف احتُسب رسميًا هدفًا عكسيًا على فيرتونغن، لكن كولو مواني كان صاحب الحركة والتسديدة التي صنعت الحسم.

لماذا كان الهدف العكسي مناسبًا لهذه المباراة؟

ربما لا توجد نهاية تلخص المواجهة أفضل من هذه.

فرنسا حاولت كثيرًا دون أن تجد تسديدة نظيفة تنهي المقاومة البلجيكية، وبلجيكا دافعت طويلًا ونجحت في إبعاد الخطر عن كاستيلس في معظم الفترات.

وفي النهاية لم تأتِ لحظة الفصل من تسديدة مثالية أو هجمة جماعية انتهت بطريقة نظيفة.

احتاجت الكرة إلى لمس مدافع وتغيير اتجاهها حتى تسقط المنظومة البلجيكية.

كانت مباراة هوامش صغيرة، وحسمها هامش صغير جدًا.

مينيان أدى دوره بعيدًا عن الأضواء

الحديث عن الهدف العكسي قد يجعل دور مايك مينيان يمر دون الاهتمام الذي يستحقه.

الحارس الفرنسي لم يتعرض لسيل من التسديدات، لكنه تدخل عندما احتاجه فريقه فعلًا.

تصدى لركلة دي بروين الحرة في الدقيقة 24، وأوقف تسديدة لوكاكو في الدقيقة 71، ثم أبعد محاولة دي بروين القوية في الدقيقة 83.

الأخيرة تحديدًا كانت بالغة الأهمية؛ فبعدها بدقيقتين فقط سجلت فرنسا هدف المباراة.

في مواجهة حُسمت 1-0، يصبح كل تصدٍ من هذه التصديات جزءًا مباشرًا من نتيجة اللقاء.

كوندي يخوض معركته الخاصة أمام دوكو

على الجهة اليمنى للدفاع الفرنسي كانت هناك مواجهة أخرى تستحق الانتباه.

جيريمي دوكو يملك السرعة والقدرة على المواجهات الفردية، وكان أحد أكثر لاعبي بلجيكا قدرة على خلق الفوضى عندما تصل إليه الكرة.

لكن جول كوندي تعامل مع تلك المهمة بصورة جيدة، وفي الوقت نفسه لم يتخل عن مساهمته الهجومية.

من إحدى كراته العرضية جاءت رأسية تورام الخطيرة في الشوط الأول، وظل حاضرًا على الطرف دون أن يسمح لدوكو بتحويل الجهة إلى مصدر مستمر للخطر.

ولهذا اختار الاتحاد الأوروبي لكرة القدم كوندي رجلًا للمباراة.

بلجيكا دفعت ثمن الحذر

خطة بلجيكا لم تكن فاشلة بالكامل.

الفريق أبقى النتيجة 0-0 حتى الدقيقة 85، ومنع فرنسا من الاستفادة من أغلب محاولاتها، وخلق بدوره فرصًا كان يمكن أن تغير المواجهة.

لكن هناك ثمنًا لهذا النوع من المباريات.

عندما تبني خطتك على الصبر وانتظار الفرصة، فإن استقبال هدف متأخر يترك أمامك وقتًا قليلًا جدًا لإعادة بناء كل شيء.

وهذا ما حدث بعد هدف فيرتونغن العكسي.

حاول المنتخب البلجيكي التحرك بسرعة وأجرى تغييرات هجومية، لكن خمس دقائق وما تبعها من وقت بدل ضائع لم تكن كافية لإعادة المباراة إلى نقطة البداية.

لوكاكو يغادر اليورو بلا هدف

كانت نهاية البطولة صعبة أيضًا بالنسبة إلى روميلو لوكاكو.

دخل المهاجم يورو 2024 باعتباره المرجع الهجومي الأساسي لبلجيكا، لكنه أنهى مشاركته دون تسجيل هدف رسمي.

أمام فرنسا، وجد نفسه في مواجهة دفاع يضم ساليبا وأوباميكانو، ولم يحصل على عدد كبير من الكرات التي تسمح له بالتأثير داخل منطقة الجزاء.

وعندما حصل على فرصة جيدة في الدقيقة 71، وجد مينيان أمامه.

خروج بلجيكا بهذه الطريقة جعل المشكلة الهجومية أكثر وضوحًا: فريق يملك دي بروين ودوكو ولوكاكو، لكنه لم يصنع ما يكفي من الفرص لإنقاذ موسمه الأوروبي.

فرنسا تتأهل دون أن تحل لغز الهجوم بالكامل

الانتصار منح فرنسا ما تحتاج إليه في مباريات خروج المغلوب: بطاقة العبور.

لكنه لم يُخفِ السؤال الذي رافق الفريق منذ بداية البطولة.

حتى نهاية هذه المباراة، كانت أهداف فرنسا الثلاثة في يورو 2024 قد جاءت من هدفين عكسيين وركلة جزاء.

أي أن المنتخب الفرنسي عبر دور المجموعات ثم دور الـ16 دون تسجيل هدف من لعب مفتوح يُحتسب لأحد لاعبيه.

هذا رقم غريب بالنسبة إلى فريق يضم مبابي وغريزمان وتورام وجيرو وديمبيلي وكولو مواني، لكنه يوضح أيضًا الوجه الآخر لفرنسا تحت قيادة ديشامب: عندما لا يعمل الهجوم بأفضل صورة، يستطيع الفريق البقاء في المباراة حتى تظهر لحظة الحسم.

خمسة انتصارات في البطولات الكبرى أمام بلجيكا

أضافت المباراة فصلًا آخر إلى تاريخ المواجهات بين المنتخبين.

وبهذا الانتصار، أصبحت فرنسا قد فازت بالمواجهات الخمس التي جمعتها ببلجيكا في البطولات الكبرى حتى ذلك الوقت.

وهو تفوق يحمل وزنًا أكبر عندما نتذكر أن بعض تلك اللقاءات جاءت في مراحل حاسمة، ومن بينها نصف نهائي كأس العالم 2018.

لكن مواجهة دوسلدورف لم تحتج إلى مباراة مفتوحة أو عدد كبير من الأهداف كي تضاف إلى هذا التاريخ.

احتاجت إلى كرة واحدة غيرت اتجاهها قبل النهاية بخمس دقائق.

مباراة كاملة اختصرتها دقيقتان

يمكن العودة إلى الدقيقة 83 لفهم كل ما حدث.

دي بروين يسدد، ومينيان يتصدى. كانت بلجيكا على بعد لمسة أفضل من وضع فرنسا تحت ضغط هائل في الدقائق الأخيرة.

ثم جاءت الدقيقة 85.

كولو مواني يستدير، يسدد، فيرتونغن يحاول إيقاف الكرة، والاتجاه يتغير.

خلال دقيقتين فقط انتقلت المباراة من احتمال تقدم بلجيكا إلى تقدم فرنسا.

ولأن المواجهة كانت مغلقة إلى هذا الحد، لم تحتج فرنسا إلى شيء آخر.

انتهت المباراة 1-0، وخرجت بلجيكا، بينما واصلت فرنسا طريقها في يورو 2024.

لم يكن انتصارًا هجوميًا ساحقًا، ولم تكن ليلة سجل فيها مبابي أو غريزمان. كان انتصارًا من النوع الذي يُحسم بتفصيل واحد: تسديدة كولو مواني، لمسة فيرتونغن، وكرة تغير اتجاهها نحو الشباك.

تعليقات