هناك مباريات تُحسم بهدف جميل، وأخرى بلحظة تكتيكية، لكن مواجهة البرتغال وسلوفينيا في دور الـ16 من يورو 2024 احتاجت إلى 120 دقيقة بلا أهداف، ركلة جزاء ضائعة، دموع كريستيانو رونالدو، انفراد كان يمكن أن يقصي البرتغال، ثم ثلاث تصديات متتالية صنعت ليلة استثنائية للحارس ديوغو كوستا.
على ملعب فرانكفورت، امتلكت البرتغال الكرة وهاجمت وحاولت مرارًا، لكنها اصطدمت بمنتخب سلوفيني منظم وبحارس تألق في أصعب اللحظات اسمه يان أوبلاك.
وعندما انتهى الوقتان الأصلي والإضافي بالتعادل 0-0، انتقلت المواجهة إلى ركلات الترجيح، وهناك تغير بطل القصة بالكامل.
وقف ديوغو كوستا أمام المرمى وتصدى لثلاث ركلات سلوفينية متتالية، لتفوز البرتغال 3-0 بركلات الترجيح وتحجز بطاقة التأهل إلى ربع النهائي.
البرتغال تهاجم.. وسلوفينيا تغلق الطريق
دخل المنتخب البرتغالي المباراة محاولًا فرض سيطرته منذ البداية.
تحرك رافائيل لياو على الجهة اليسرى، وتقدم جواو كانسيلو من الطرف الآخر، بينما تمركز كريستيانو رونالدو في المقدمة منتظرًا الكرات العرضية والتمريرات داخل منطقة الجزاء.
في المقابل، لم تحاول سلوفينيا الدخول في مباراة مفتوحة مع منافس يملك جودة فردية كبيرة.
حافظ فريق المدرب ماتياج كيك على تقارب خطوطه، وأغلق المساحات أمام منطقة الجزاء، وانتظر فرص الانتقال السريع نحو الهجوم.
وهكذا ظهرت المشكلة التي رافقت البرتغال طوال اللقاء: الكثير من الاستحواذ والوصول إلى المناطق المتقدمة، لكن من دون اللمسة الأخيرة التي تفتح المباراة.
رونالدو يبحث عن الهدف من الكرات الثابتة
مع صعوبة اختراق الدفاع السلوفيني، أصبحت الركلات الحرة إحدى أهم وسائل البرتغال للوصول إلى المرمى.
وفي الدقيقة 35، وقف رونالدو أمام إحدى هذه الكرات وسددها بقوة، لكنها مرت فوق العارضة بفارق ضئيل.
واصل قائد البرتغال البحث عن الهدف، بينما بقي يان أوبلاك حاضرًا أمام كل محاولة خطيرة.
وقبل نهاية الشوط الأول، كادت البرتغال أن تنجح بطريقة مختلفة.
وصلت الكرة إلى جواو بالينيا، الذي أطلق تسديدة منخفضة اصطدمت بالقائم.
انتهى الشوط الأول بلا أهداف، رغم أن البرتغال كانت الطرف الأكثر بحثًا عن التسجيل.
أوبلاك يرفض منح رونالدو ما يبحث عنه
لم يتغير المشهد كثيرًا بعد الاستراحة.
استمرت البرتغال في الضغط، بينما بقيت سلوفينيا منظمة وتبحث عن اللحظة المناسبة للهجوم.
في الدقيقة 55، حصل رونالدو على ركلة حرة أخرى وأطلق تسديدة قوية باتجاه المرمى.
لكن أوبلاك كان في الموعد وأبعد الكرة.
ومع مرور الدقائق، بدأ الضغط النفسي يزداد على المنتخب البرتغالي. كل محاولة تمر دون هدف كانت تمنح سلوفينيا مزيدًا من الثقة بأن خطتها قادرة على الصمود حتى النهاية.
شيشكو يرسل أول تحذير حقيقي
التركيز البرتغالي على الهجوم كان يحمل خطرًا واضحًا: ترك مساحات يمكن لسلوفينيا استغلالها في الهجمات المرتدة.
وفي الدقيقة 65، ظهر بنجامين شيشكو في إحدى أخطر هذه الهجمات.
استفاد المهاجم السلوفيني من سرعته وانطلق نحو المرمى، لكنه لم ينجح في إنهاء المحاولة بالشكل المطلوب وأرسل الكرة بعيدًا.
كانت تلك اللقطة بمثابة إنذار للبرتغال.
فالمباراة لم تكن فقط عن كيفية تسجيل هدف في مرمى أوبلاك؛ كان عليها أيضًا الحذر من هدف مفاجئ يمكن أن ينهي البطولة بالنسبة إليها.
90 دقيقة لا تكفي لفصل المنتخبين
وصلت المباراة إلى دقائقها الأخيرة وما زالت النتيجة 0-0.
وفي الدقيقة 90، حصل رونالدو على فرصة جديدة أمام المرمى، لكن أوبلاك تدخل مرة أخرى وحافظ على شباكه.
انتهى الوقت الأصلي دون أهداف.
بالنسبة إلى سلوفينيا، كان الصمود لمدة 90 دقيقة نجاحًا كبيرًا لخطة دفاعية منضبطة.
أما البرتغال، فأصبحت مطالبة بخوض 30 دقيقة إضافية وهي تعرف أن خطأ واحدًا قد يكون كافيًا لإنهاء مشوارها.
الدقيقة 105.. اللحظة التي غيرت كل شيء
قرب نهاية الشوط الإضافي الأول، حدثت اللحظة التي بدا أنها ستمنح البرتغال أخيرًا مفتاح المباراة.
انطلق ديوغو جوتا بالكرة داخل منطقة الجزاء قبل أن يتعرض للعرقلة، ليحتسب الحكم ركلة جزاء للمنتخب البرتغالي.
تقدم كريستيانو رونالدو لتنفيذها.
كانت فرصة لإنهاء أكثر من مئة دقيقة من المقاومة السلوفينية.
سدد رونالدو الكرة باتجاه الزاوية، لكن يان أوبلاك قرأها بصورة رائعة، ومد يده ليحولها إلى القائم ويمنع الهدف.
ركلة الجزاء ضاعت، والنتيجة بقيت 0-0.
دموع رونالدو في فرانكفورت
بعد إضاعة ركلة الجزاء، لم يخف رونالدو تأثره.
ظهرت الدموع على وجه قائد البرتغال خلال الاستراحة القصيرة بين شوطي الوقت الإضافي، بينما تجمع حوله زملاؤه لمساندته.
كانت صورة نادرة للاعب عاش عددًا هائلًا من المباريات الحاسمة خلال مسيرته.
لكن أهم ما في تلك اللحظة أن المباراة لم تكن قد انتهت.
كان على رونالدو أن يترك الركلة الضائعة خلفه ويعود لخوض آخر 15 دقيقة، في وقت أصبحت فيه سلوفينيا أكثر اقتناعًا بأنها تستطيع الوصول إلى ركلات الترجيح أو حتى خطف هدف الفوز.
الدقيقة 115.. شيشكو أمام فرصة العمر
بعد عشر دقائق فقط من ركلة رونالدو الضائعة، اقتربت البرتغال من الخروج من البطولة.
ارتكب بيبي خطأ في التعامل مع الكرة، واستغل بنجامين شيشكو الموقف لينطلق منفردًا باتجاه المرمى.
لم يكن أمامه سوى ديوغو كوستا.
كانت هذه أخطر فرصة لسلوفينيا في المباراة، وربما أخطر لحظة واجهتها البرتغال طوال الـ120 دقيقة.
سدد شيشكو، لكن كوستا بقي ثابتًا ونجح في التصدي للكرة.
لو دخلت تلك المحاولة، لم يكن سيبقى أمام البرتغال سوى دقائق قليلة جدًا للعودة.
لكن تصدي كوستا أبقى المباراة بلا أهداف وأعطى البرتغال حياة جديدة.
120 دقيقة بلا هدف.. والحسم ينتقل إلى نقطة الجزاء
أطلق الحكم صافرة نهاية الوقت الإضافي والنتيجة ما تزال البرتغال 0-0 سلوفينيا.
بعد كل المحاولات والفرص وركلة الجزاء الضائعة وانفراد شيشكو، أصبحت بطاقة التأهل معلقة بخمس ركلات لكل منتخب، أو أقل إذا حُسمت المواجهة مبكرًا.
بالنسبة إلى البرتغال، كان السؤال واضحًا: كيف سيتعامل رونالدو مع ركلات الترجيح بعد دقائق فقط من إضاعة ركلة أمام أوبلاك؟
لكن السؤال الأكبر سرعان ما أصبح مختلفًا تمامًا.
ماذا سيفعل ديوغو كوستا؟
كوستا يتصدى للأولى.. ورونالدو يعود إلى النقطة
تقدم يوسيب إيليتشيتش لتنفيذ الركلة الأولى لسلوفينيا.
اختار زاويته وسدد، لكن ديوغو كوستا تحرك بالشكل الصحيح وأبعد الكرة.
البرتغال حصلت مباشرة على أفضلية نفسية.
ثم تقدم رونالدو لتنفيذ الركلة الأولى لبلاده.
هذه المرة لم يخطئ.
أرسل الكرة إلى الشباك، لكنه لم يحتفل بصورة صاخبة، وظهرت عليه مشاعر اللحظة السابقة.
من ركلة ضائعة ودموع في الوقت الإضافي إلى أول ركلة ناجحة في الترجيح، تغيرت قصة رونالدو خلال دقائق.
كوستا يتصدى للثانية أيضًا
جاء دور يوري بالكوفِتس لتنفيذ الركلة السلوفينية الثانية.
لكن المشهد تكرر.
قرأ كوستا التسديدة وتصدى لها.
تصديان من ركلتين.
ثم تقدم برونو فرنانديز وسجل ركلة البرتغال الثانية بنجاح.
أصبحت النتيجة في ركلات الترجيح 2-0، وسلوفينيا لم تسجل أي ركلة حتى تلك اللحظة.
ثلاث ركلات.. ثلاثة تصديات
كان بنجامين فيربيتش هو المنفذ الثالث لسلوفينيا.
كان يحتاج إلى التسجيل حتى يحافظ على آمال منتخب بلاده.
لكن ديوغو كوستا فعلها للمرة الثالثة.
تحرك نحو الكرة وأبعدها.
ثلاث ركلات سلوفينية، وثلاثة تصديات متتالية.
في تلك اللحظة أصبح المنتخب البرتغالي بحاجة إلى تسجيل ركلة واحدة فقط لإنهاء المواجهة.
برناردو سيلفا يضع النقطة الأخيرة
تقدم برناردو سيلفا لتنفيذ الركلة الثالثة للبرتغال.
سجلها بنجاح.
انتهى كل شيء.
البرتغال 3-0 سلوفينيا بركلات الترجيح.
لم تكن هناك حاجة لتنفيذ بقية الركلات.
رونالدو سجل، برونو فرنانديز سجل، برناردو سيلفا سجل، وديوغو كوستا لم يسمح لسلوفينيا بتسجيل أي ركلة.
ليلة تاريخية لديوغو كوستا
قبل ركلات الترجيح، كان كوستا قد أنقذ البرتغال بالفعل بتصديه لانفراد شيشكو في الدقيقة 115.
لكن ما فعله بعد ذلك أدخله تاريخ بطولة أوروبا.
أصبح ديوغو كوستا أول حارس مرمى يتصدى لثلاث ركلات في سلسلة ترجيحية واحدة في تاريخ كأس أمم أوروبا، كما أصبح أول حارس لا يستقبل أي ركلة في سلسلة ترجيح بالبطولة.
ولم يكن غريبًا أن يحصل على جائزة رجل المباراة.
في ليلة كان معظم الضوء فيها مسلطًا على رونالدو وأوبلاك، انتهت المواجهة باسم حارس البرتغال.
أوبلاك كاد أن يكون بطل القصة
من الظلم اختصار المباراة في تألق كوستا وحده.
على الطرف الآخر، قدم يان أوبلاك مباراة كبيرة.
تعامل مع محاولات البرتغال طوال 120 دقيقة، وتصدى لأكثر من كرة خطيرة، ثم جاءت لحظته الأكبر عندما أوقف ركلة جزاء رونالدو في الوقت الإضافي.
لو نجحت سلوفينيا في التسجيل من انفراد شيشكو بعد ذلك، لكان تصدي أوبلاك لركلة رونالدو إحدى أشهر لحظات البطولة.
لكن ركلات الترجيح قلبت اتجاه القصة، وانتقلت البطولة من يد حارس سلوفينيا إلى يد حارس البرتغال.
لماذا عانت البرتغال أمام سلوفينيا؟
المباراة أظهرت أن امتلاك الكرة لا يعني بالضرورة السيطرة على النتيجة.
البرتغال كانت الطرف الأكثر مبادرة، لكنها واجهت دفاعًا سلوفينيًا متماسكًا حافظ على المسافات بين خطوطه ومنع كثيرًا من المحاولات من التحول إلى فرص واضحة.
وعندما فشل المنتخب البرتغالي في التسجيل مبكرًا، بدأ التوتر يظهر مع مرور الوقت.
اعتمد الفريق كثيرًا على الكرات العرضية والركلات الحرة، بينما استمرت سلوفينيا في انتظار أخطاء يمكن تحويلها إلى هجمات مرتدة.
وكادت الخطة السلوفينية أن تنجح بالكامل عندما انفرد شيشكو في الدقيقة 115.
لهذا لا يمكن وصف المباراة بأنها انتصار برتغالي سهل. كانت مواجهة صبر وأعصاب، وحُسمت بفارق حارس مرمى في اللحظات الأخيرة.
بطاقة مباراة البرتغال وسلوفينيا
البطولة: كأس أمم أوروبا 2024
الدور: دور الـ16
التاريخ: 1 يوليو 2024
الملعب: فرانكفورت أرينا
النتيجة بعد 90 دقيقة: 0-0
النتيجة بعد الوقت الإضافي: 0-0
ركلات الترجيح: 3-0 للبرتغال
ركلة جزاء ضائعة: كريستيانو رونالدو – الدقيقة 105+1
مسجلو ركلات البرتغال: رونالدو، برونو فرنانديز، برناردو سيلفا
رجل المباراة: ديوغو كوستا
من دموع رونالدو إلى ابتسامة كوستا
لو توقفت قصة المباراة عند الدقيقة 105، لكانت صورة رونالدو وهو يبكي بعد تصدي أوبلاك هي المشهد الذي يلخص الليلة.
ولو سجل شيشكو انفراده في الدقيقة 115، لتحولت ركلة رونالدو الضائعة إلى واحدة من أكثر اللحظات إيلامًا في مسيرته الدولية.
لكن كرة القدم غيرت القصة مرة أخرى.
تصدى كوستا لانفراد شيشكو، ثم وقف أمام ثلاث ركلات ترجيحية ومنعها جميعًا.
أما رونالدو، فعاد إلى نقطة الجزاء التي عاقبته قبل دقائق وسجل هذه المرة.
وبعد 120 دقيقة بلا أهداف، لم تحتج البرتغال سوى إلى ثلاث ركلات في سلسلة الترجيح لتحسم التأهل.
بدأت اللحظات الحاسمة بدموع رونالدو، وانتهت باحتفال ديوغو كوستا ورفاقه.
ولهذا لم تكن ليلة فرانكفورت مجرد تعادل 0-0 انتهى بركلات الترجيح؛ كانت واحدة من تلك المباريات التي تغير بطلها أكثر من مرة، قبل أن يستقر الاسم الأخير على حارس البرتغال.
