لم تفز إسبانيا بنهائي يورو 2024 لأنها سيطرت على المباراة منذ الدقيقة الأولى. في الواقع، نجحت إنجلترا طوال الشوط الأول في تعطيل أهم نقاط قوة المنتخب الإسباني، وأجبرته على الذهاب إلى الاستراحة دون هدف.
لكن المباراة التي كانت مغلقة قبل الاستراحة تغيرت بسرعة بعدها.
خلال 41 دقيقة من الشوط الثاني سجل نيكو ويليامز، ورد كول بالمر بالتعادل، ثم ظهر ميكيل أويارزابال في الدقيقة 86 ليمنح إسبانيا الفوز 2-1 واللقب الأوروبي الرابع في تاريخها.
السؤال الأهم ليس فقط كيف دخلت الأهداف الثلاثة، وإنما: كيف تمكنت إسبانيا من حل المشكلة التي صنعتها لها إنجلترا في الشوط الأول؟
المشكلة التي واجهتها إسبانيا قبل الاستراحة
دخلت إسبانيا النهائي بأسلوبها المعتاد: استحواذ على الكرة، محاولة التقدم عبر الوسط، ثم استخدام سرعة لامين يامال ونيكو ويليامز على الطرفين.
لكن غاريث ساوثغيت وضع أمامها كتلة إنجليزية منظمة.
كانت الفكرة واضحة: عدم السماح للاعبي وسط إسبانيا باستقبال الكرة بحرية. فيل فودين راقب رودري، ديكلان رايس تابع تحركات داني أولمو، بينما اهتم كوبي ماينو بفابيان رويز.
عندما كانت الكرة تصل إلى أحد لاعبي الوسط الإسبان، كان لاعب إنجليزي قريبًا منه بالفعل.
النتيجة أن إسبانيا امتلكت الكرة، لكنها لم تستطع استخدامها بالطريقة التي تريدها.
الاستحواذ لم يكن يعني السيطرة الهجومية
هذه نقطة مهمة لفهم النهائي.
يمكن لفريق أن يحتفظ بالكرة لفترة طويلة دون أن ينجح في اختراق منافسه. وهذا تقريبًا ما حدث لإسبانيا في أجزاء كبيرة من الشوط الأول.
وجد رودري صعوبة في تمرير الكرة إلى المناطق الخطرة، كما لم يحصل داني أولمو على المساحات التي اعتاد التحرك فيها بين الوسط والدفاع.
لذلك اضطرت إسبانيا إلى توجيه جزء كبير من لعبها نحو الجهة اليسرى، حيث كان نيكو ويليامز ومارك كوكوريلا يحاولان التقدم حول الكتلة الإنجليزية بدل المرور من قلبها.
ونجحت إنجلترا في الوصول إلى الاستراحة والنتيجة 0-0.
ثم حدث شيء لم يكن في الخطة: إصابة رودري
عند نهاية الشوط الأول تعرض رودري للإصابة، ولم يتمكن من العودة بعد الاستراحة.
بالنسبة إلى أي فريق، خسارة لاعب بهذه الأهمية في نهائي بطولة كبرى يمكن أن تكون نقطة تحول سلبية.
لكن المفارقة أن التغيير الذي فرضته الإصابة ساهم في تغيير شكل المباراة.
دخل مارتين زوبيميندي، ولم تحاول إسبانيا ببساطة أن تجعله نسخة من رودري.
بدل وجود لاعب ارتكاز واحد أمام الدفاع مع تقدم فابيان رويز، بدأ رويز يتحرك أحيانًا إلى مناطق أعمق بجوار زوبيميندي.
وهنا ظهرت مشكلة جديدة أمام إنجلترا.
لم يعد هناك لاعب واحد يمكن مراقبته
في الشوط الأول استطاعت إنجلترا التعامل مع وسط إسبانيا بطريقة رجل لرجل إلى حد كبير.
لكن عندما أصبح زوبيميندي ورويز قادرين على استقبال الكرة في العمق، أصبح على لاعبي إنجلترا اتخاذ قرار أصعب.
إذا تقدم لاعب الوسط للضغط على أحدهما، يمكن أن يظهر فراغ خلفه.
وإذا بقي في موقعه، تحصل إسبانيا على الوقت لبناء الهجمة.
الشخص الذي استفاد كثيرًا من هذه المساحات كان داني أولمو، الذي أصبح أكثر قدرة على الظهور بين الخطوط مقارنة بالشوط الأول.
وهذا التعديل لم يحتج وقتًا طويلًا حتى تظهر نتيجته.
الهدف الأول: اللقطة التي شرحت التغيير كله
مرت دقيقتان فقط من الشوط الثاني عندما قدمت إسبانيا نموذجًا لما أرادت فعله.
تحركت الكرة من جهة إلى أخرى، ثم وصلت إلى داني كارفاخال في اليمين.
تقدم كارفاخال ومرر إلى لامين يامال، لكن تمركز اللاعبين حول يامال هو الجزء الأكثر أهمية في اللقطة.
وجود فابيان رويز في الداخل جذب جود بيلينغهام، بينما أصبح لوك شاو أمام قرار صعب: هل يقترب من كارفاخال أم يغلق الطريق أمام يامال؟
استغل يامال التردد وتحرك إلى الداخل بالكرة.
وعلى الطرف المقابل كان نيكو ويليامز يصل إلى المنطقة الخالية.
مرر يامال.
وسدد ويليامز مباشرة في مرمى جوردان بيكفورد.
إسبانيا 1-0 إنجلترا، الدقيقة 47.
الهدف لم يكن مجرد انطلاقة سريعة من يامال. كان نتيجة لتحريك الدفاع الإنجليزي أفقيًا قبل ضرب المساحة التي ظهرت في الجهة الأخرى.
يامال وويليامز: جناحان بمشكلتين مختلفتين
إحدى نقاط قوة إسبانيا في البطولة كانت أن الجناحين لا يهاجمان بالطريقة نفسها تمامًا.
نيكو ويليامز يستطيع البقاء قريبًا من الخط، مواجهة الظهير مباشرة واستخدام سرعته في المواجهات الفردية.
أما لامين يامال فيستطيع البدء من الجناح الأيمن ثم الدخول إلى العمق، حيث يصبح قادرًا على التسديد أو صناعة التمريرة الأخيرة.
وهذا يضع دفاع المنافس أمام مشكلتين في الوقت نفسه.
إذا ضاقت خطوط الدفاع لحماية العمق، يحصل الجناحان على مساحة أكبر.
وإذا تحرك الظهيران إلى الخارج لمواجهتهما، تظهر فراغات يستطيع لاعبو الوسط والمهاجم استغلالها.
في الهدف الأول ظهرت الفكرتان في لقطة واحدة: يامال يدخل من اليمين، وويليامز ينهي الهجمة من اليسار.
إنجلترا كانت تتراجع.. ثم غيّر بالمر المباراة
بعد تقدم إسبانيا، أصبحت المباراة أكثر صعوبة على إنجلترا.
بدأت المساحات تظهر أمام المنتخب الإسباني، ووصل ألفارو موراتا ونيكو ويليامز إلى مواقع خطرة، كما أجبر يامال بيكفورد على التصدي لمحاولة كان يمكن أن تجعل النتيجة 2-0.
احتاج ساوثغيت إلى تغيير شيء في الجانب الهجومي.
كان أولي واتكينز قد دخل بدل هاري كين، ثم جاء تغيير آخر في الدقيقة 70: كول بالمر بدل كوبي ماينو.
بعد ثلاث دقائق فقط، حصلت إنجلترا على ما كانت تبحث عنه.
هدف بالمر جاء بطريقة مختلفة تمامًا
لم يكن هدف التعادل نتيجة فترة طويلة من السيطرة الإنجليزية.
بدأت الهجمة من الجهة اليمنى مع بوكايو ساكا، الذي تقدم قبل أن تصل الكرة إلى جود بيلينغهام قرب منطقة الجزاء.
بدل محاولة الدوران والتسديد، هيأ بيلينغهام الكرة إلى الخلف.
كان بالمر قادمًا من خارج المنطقة.
سدد بقدمه اليسرى نحو الزاوية البعيدة، ولم يتمكن أوناي سيمون من الوصول إليها.
1-1 في الدقيقة 73.
مرة أخرى أثبت أحد بدلاء إنجلترا قدرته على تغيير مباراة إقصائية، لكن هذه المرة لم تكن هناك حاجة إلى انتظار الدقائق الأخيرة.
أصبح النهائي مفتوحًا من جديد.
لماذا لم تتراجع إسبانيا بعد التعادل؟
هنا ظهرت إحدى أهم سمات المنتخب الإسباني في تلك البطولة.
التعادل قبل أقل من عشرين دقيقة على النهاية كان يمكن أن يدفع الفريق إلى حماية نفسه وانتظار الوقت الإضافي، خصوصًا بعد خسارة رودري للإصابة.
لكن إسبانيا استمرت في محاولة بناء الهجمات.
دفع لويس دي لا فوينتي بميكيل أويارزابال بدل موراتا، وأصبح المهاجم البديل يتحرك بصورة مختلفة عن القائد الإسباني.
موراتا يميل إلى النزول والمشاركة في الربط، بينما يستطيع أويارزابال التحرك بسرعة إلى المساحات بين قلب الدفاع والظهير.
هذا الاختلاف سيصبح حاسمًا قبل النهاية بأربع دقائق.
86' — هدف يمكن فهمه من دون النظر إلى الكرة
عند مشاهدة هدف أويارزابال، من السهل التركيز على عرضية كوكوريلا واللمسة الأخيرة للمهاجم.
لكن تحرك أويارزابال قبل وصول الكرة يشرح الهدف بصورة أفضل.
بدأت الهجمة من اليسار، وتبادل أويارزابال الكرة قبل أن يتحرك مباشرة إلى داخل منطقة الجزاء.
كوكوريلا انطلق في المساحة الخارجية واستلم الكرة.
في تلك اللحظة لم ينتظر أويارزابال أمام المدافعين، بل هاجم الفراغ بينهم وبين المرمى.
أرسل كوكوريلا الكرة الأرضية.
مد أويارزابال قدمه ووصل إليها قبل أن يستطيع الدفاع إبعادها.
2-1 لإسبانيا.
لم تكن أمام إنجلترا سوى دقائق قليلة لتكرار سيناريوهات العودة التي عاشتها خلال البطولة.
اللقطة التي منعت عودة إنجلترا الأخيرة
ومع ذلك، حصل المنتخب الإنجليزي على فرصة حقيقية.
بعد كرة ثابتة في الدقيقة الأخيرة تقريبًا، ارتقى ديكلان رايس وسدد برأسه، لكن أوناي سيمون تصدى لها.
عادت الكرة إلى مارك غويهي، الذي وجه رأسية أخرى نحو المرمى.
هذه المرة لم يكن الحارس هو من أنقذ إسبانيا.
كان داني أولمو متمركزًا على خط المرمى، وأبعد الكرة برأسه قبل دخولها الشباك.
في مباراة كان أولمو فيها مهمًا في إيجاد المساحات الهجومية، انتهى دوره بأهم تدخل دفاعي في الدقائق الأخيرة.
ما الذي تغير فعليًا بين الشوطين؟
يمكن اختصار التحول التكتيكي في نقطة واحدة: إسبانيا جعلت مهمة مراقبة وسطها أكثر تعقيدًا.
في الشوط الأول استطاعت إنجلترا تحديد من يراقب من، وأجبرت الإسبان على اللعب بعيدًا عن العمق.
بعد الاستراحة أصبح زوبيميندي ورويز قادرين على البناء من مناطق أعمق، بينما وجد أولمو مساحات أكبر أمامهما.
وعندما حاولت إنجلترا تضييق هذه المناطق، أصبح يامال وويليامز أكثر خطورة على الأطراف.
الأرقام الفنية للاتحاد الأوروبي تعكس هذا التحول بوضوح: إسبانيا صنعت ثلاث فرص فقط قبل الاستراحة، مقابل 11 فرصة في الشوط الثاني، كما جاءت خمس من تسديداتها الست على المرمى بعد الاستراحة.
لم تتغير النتيجة لأن إسبانيا بدأت تركض أكثر فقط؛ تغيرت لأن مواقع اللاعبين جعلت الضغط الإنجليزي أقل فاعلية.
نيكو ويليامز.. أكثر من صاحب الهدف الأول
اختير نيكو ويليامز أفضل لاعب في النهائي.
هدفه كان أهم لحظاته، لكنه لم يكن سبب الاختيار الوحيد.
الجناح الإسباني ظل مصدر تهديد على الجهة اليسرى، ساعد كوكوريلا دفاعيًا، وتحرك أيضًا إلى الداخل للمشاركة مع أولمو وبقية لاعبي الوسط.
وجوده على طرف ويامال على الطرف الآخر جعل من الصعب على إنجلترا توجيه دفاعها نحو جهة واحدة.
والمثير أن صاحب تمريرة الهدف، يامال، كان يبلغ 17 عامًا ويومًا واحدًا فقط، ليصبح أصغر لاعب يشارك في نهائي بطولة كبرى للمنتخبات الأوروبية أو كأس العالم للرجال.
إسبانيا لم تربح النهائي فقط
عندما انتهت المباراة في الملعب الأولمبي ببرلين، أصبح المنتخب الإسباني أول منتخب يحقق أربعة ألقاب في كأس أمم أوروبا.
كما أنه لم يحتج إلى تعادل أو ركلات ترجيح في طريقه إلى الكأس: سبع مباريات في يورو 2024 انتهت بسبعة انتصارات.
لكن نهائي برلين قدم ربما أفضل تفسير لنجاح الفريق.
عندما نجحت إنجلترا في إغلاق الخطة الأولى، لم تستمر إسبانيا في تنفيذها بالطريقة نفسها وانتظار أن تنجح.
تغيرت مواقع الوسط.
تحرك يامال إلى الداخل.
استمر ويليامز في توسيع الملعب.
دخل أويارزابال ليقدم نوعًا آخر من الحركة أمام الدفاع.
وعندما جاءت اللحظة التي احتاج فيها الفريق إلى الدفاع عن اللقب، كان داني أولمو واقفًا على خط المرمى.
لهذا يمكن قراءة نتيجة إسبانيا 2-1 إنجلترا باعتبارها أكثر من ثلاثة أهداف.
إنها مباراة بدأت بنجاح إنجليزي في تعطيل إسبانيا، ثم انتهت بنجاح إسباني في إيجاد حل للمشكلة.
