واتكينز يكتب التاريخ أمام هولندا.. عشر دقائق نقلت إنجلترا إلى نهائي يورو 2024

 

كانت الدقيقة 81 من مباراة هولندا وإنجلترا في نصف نهائي يورو 2024 تقترب، والنتيجة ما تزال معلقة عند التعادل 1-1. الوقت الإضافي أصبح احتمالًا حقيقيًا، لكن غاريث ساوثغيت قرر أن هذه هي اللحظة المناسبة للمغامرة.

خرج هاري كين، قائد إنجلترا وصاحب هدف التعادل، ودخل مكانه أولي واتكينز. وفي التوقيت نفسه تقريبًا غادر فيل فودين ليظهر كول بالمر.

لم يكن التغييران مجرد محاولة لتنشيط الهجوم. كان ساوثغيت يبحث عن شيء محدد: مهاجم قادر على الركض خلف الخط الدفاعي الهولندي في وقت بدأت فيه المساحات تظهر والتعب يتسلل إلى اللاعبين.

بعد نحو عشر دقائق فقط، اجتمع البديلان في لقطة واحدة. مرر بالمر، تحرك واتكينز، ثم جاءت التسديدة التي غيرت تاريخ ليلة دورتموند وأرسلت إنجلترا إلى نهائي كأس أمم أوروبا للمرة الثانية تواليًا.

قبل واتكينز.. ليلة بدأت بصدمة هولندية

لم تبدأ ليلة 10 يوليو 2024 كما أراد الإنجليز. احتاج المنتخب الهولندي إلى سبع دقائق فقط ليضع خصمه تحت الضغط.

تشافي سيمونز افتك الكرة من ديكلان رايس، تقدم بها وأطلق تسديدة قوية تجاوزت جوردان بيكفورد. هولندا 1، إنجلترا 0.

الهدف المبكر كان أكثر من مجرد تغيير في النتيجة. إنجلترا كانت قد عاشت السيناريو نفسه في الأدوار الإقصائية، واضطرت مرة أخرى إلى مطاردة المباراة بدل التحكم فيها من موقع المتقدم.

لكن الفريق لم ينهَر بعد الهدف. على العكس، كانت الدقائق التالية من أفضل فتراته في البطولة. تحرك جود بيلينغهام وفيل فودين وكوبي ماينو في المساحات، وبدأ المنتخب الإنجليزي يجد طرقًا للعب بين الخطوط الهولندية.

كين يمحو البداية السيئة

بعد إحدى المحاولات داخل منطقة الجزاء، تعرض هاري كين لتدخل من دينزل دومفريس أثناء التسديد. وبعد مراجعة اللقطة، حصلت إنجلترا على ركلة جزاء.

وقف كين أمام الكرة في الدقيقة 18 وسددها بنجاح ليعيد المباراة إلى نقطة البداية.

التعادل لم يدفع إنجلترا إلى التراجع. فيل فودين اقترب من تسجيل الهدف الثاني عندما أبعد دومفريس محاولة له من على خط المرمى، ثم عاد اللاعب الهولندي نفسه في الجهة المقابلة وضرب العارضة برأسية.

فودين بدوره أرسل تسديدة مقوسة مرت بمحاذاة القائم، وتحول نصف النهائي خلال دقائق إلى مواجهة مفتوحة لا تشبه كثيرًا الحذر المعتاد في مثل هذه المباريات.

مباراة تغير وجهها بعد الاستراحة

إذا كان الشوط الأول قد شهد تبادلًا سريعًا للهجمات، فإن الشوط الثاني سار في اتجاه مختلف.

رونالد كومان أدخل فاوت فيخهورست، بينما أشرك ساوثغيت لوك شاو. أصبحت هولندا أكثر قدرة على تثبيت الكرة في الأمام، وتراجع عدد المساحات التي حصل عليها الإنجليز.

ومع مرور الوقت، بدأت المباراة تميل إلى صراع تكتيكي أكثر هدوءًا. لم يعد فودين يجد المساحات نفسها، وأصبحت هولندا أكثر راحة مقارنة بالفترة التي أعقبت هدف كين.

في الدقيقة 65 كان بيكفورد مطالبًا بالتدخل أمام محاولة فيرجيل فان دايك. وفي الطرف الآخر، ظل المنتخب الإنجليزي يبحث عن الطريقة التي يمكن بها إعادة السرعة إلى هجومه.

وهنا بدأت قصة واتكينز الحقيقية.

لماذا اختار ساوثغيت واتكينز؟

كان هاري كين قادرًا على النزول بين الخطوط وربط اللعب، لكنه لم يكن يقدم النوع نفسه من الركض خلف المدافعين الذي يستطيع واتكينز تقديمه.

ساوثغيت رأى أن المباراة وصلت إلى مرحلة تحتاج إلى مهاجم مختلف. دفاع هولندا لعب أكثر من 80 دقيقة، والمساحات خلفه أصبحت أكثر قيمة من القدرة على استقبال الكرة أمامه.

لذلك دخل واتكينز مكان كين، ودخل بالمر مكان فودين.

وبحسب التحليل الفني للاتحاد الأوروبي لكرة القدم، بدأ تأثير واتكينز فور دخوله. خلال الفترة القصيرة التي لعبها قام بستة تحركات خلف الدفاع، وهو عدد يعادل ما قام به كين خلال 81 دقيقة كاملة.

لم تكن كل تلك التحركات تستقبل تمريرة، لكنها أجبرت المدافعين على اتخاذ قرارات جديدة: هل يتقدمون معه؟ هل يتركون المساحة؟ ومن يغطي المنطقة التي يفتحها تحركه؟

التحرك الذي سبق الهدف كان إنذارًا

بعد نحو دقيقة واحدة فقط من دخوله، بدأ واتكينز يركض خلف الدفاع الهولندي.

الكرة لم تصل إليه في تلك المحاولة، لكن الفكرة كانت واضحة. إنجلترا لم تعد تلعب بمهاجم ينتظر الكرة فقط، بل بمهاجم يحاول باستمرار الوصول إلى ظهر المدافعين.

وكان وجود كول بالمر مهمًا أيضًا. تمركزه بين الخطوط جذب انتباه لاعبي هولندا وخلق نوعًا مختلفًا من المشاكل الدفاعية.

المحاولة الأولى لم تنتج هدفًا. لكن عندما تكررت الفكرة قرب نهاية المباراة، لم يخطئ البديلان الموعد.

90+1.. اللحظة التي تغير فيها كل شيء

كانت المباراة تتجه نحو الوقت الإضافي عندما وصلت الكرة إلى كول بالمر.

في تلك اللحظة بدأ واتكينز تحركه إلى المساحة خلف الدفاع. أرسل بالمر التمريرة نحوه، ولحق به ستيفان دي فري محاولًا إغلاق زاوية التسديد.

استقبل واتكينز الكرة ونجح في حماية موقعه أمام المدافع. الزاوية لم تكن مثالية، والمساحة لم تكن كبيرة، لكن المهاجم لم يبحث عن تمريرة أخرى.

استدار وسدد كرة منخفضة عبر الحارس بارت فيربروخن نحو الزاوية البعيدة.

دخلت الكرة الشباك.

هولندا 1-2 إنجلترا.

كانت الدقيقة 90+1، ولم يعد أمام هولندا سوى القليل جدًا من الوقت لإنقاذ موسمها الأوروبي.

أربع لمسات كانت كافية

تكشف الأرقام لماذا أصبحت مشاركة واتكينز واحدة من أكثر المشاركات البديلة تأثيرًا في يورو 2024.

وفق التحليل الفني للاتحاد الأوروبي، شارك المهاجم في اللعب أربع مرات فقط بعد دخوله، لكن إحدى تلك المشاركات كانت الهدف الذي حسم نصف النهائي.

القيمة لم تكن في عدد لمساته، بل في طبيعتها. ركض خلف الدفاع، ضغط على الحارس، أجبر المدافعين على التحرك، ثم استغل المساحة عندما وصلته الكرة التي كان ينتظرها.

«كنت أنتظر هذه اللحظة منذ أسابيع».

بهذه الكلمات وصف واتكينز شعوره بعد المباراة. والأكثر إثارة أنه كشف أنه أخبر كول بالمر قبل دخولهما بأن بالمر سيصنع له هدفًا.

وبعد دقائق قليلة، تحولت الجملة إلى حقيقة.

بالمر لم يسجل.. لكنه صنع الفارق

عادة ما تذهب الأضواء كاملة إلى صاحب الهدف المتأخر، لكن لقطة التأهل لم تكن ممكنة من دون كول بالمر.

دخوله منح إنجلترا لاعبًا قادرًا على استقبال الكرة بين الخطوط ثم تمريرها بسرعة إلى المساحات. وعندما تحرك واتكينز، قرأ بالمر اللقطة وأرسل الكرة في التوقيت المناسب.

بهذا أصبح هدف التأهل نتاج قرارين اتخذهما ساوثغيت في الدقائق الأخيرة: تغيير شكل المهاجم، وإضافة لاعب يستطيع إيجاده بالتمريرة المناسبة.

قرار ساوثغيت الذي كان يمكن أن يُحاسب عليه

إخراج هاري كين في نصف نهائي بطولة كبرى ليس قرارًا عاديًا. كين قائد المنتخب، هدافه التاريخي، وكان قد سجل بالفعل هدف التعادل في المباراة.

لو خسرت إنجلترا بعد خروجه، لكان القرار بالتأكيد أحد أكثر النقاط التي ستخضع للنقاش.

لكن ساوثغيت لم ينظر إلى الاسم بقدر ما نظر إلى ما تحتاجه الدقائق الأخيرة. وأوضح بعد اللقاء أن كين كان قد تعرض لضربة، وأن الفريق احتاج إلى طاقة إضافية في المقدمة وإلى الركض خلف الدفاع والضغط بصورة أكبر.

واتكينز قدم بالضبط تلك الصفات.

وبدل أن يتحول التغيير إلى مخاطرة فاشلة، أصبح واحدًا من أشهر قرارات ساوثغيت مع المنتخب الإنجليزي.

هدف واحد أعاد كتابة تاريخ إنجلترا الأوروبي

عندما أطلق الحكم صافرة النهاية، لم تكن إنجلترا قد ربحت مباراة نصف نهائي فقط.

الفوز جعلها تبلغ نهائي كأس أمم أوروبا للمرة الثانية على التوالي، بعد وصولها إلى نهائي النسخة السابقة أمام إيطاليا.

وكان هناك إنجاز آخر يحمل قيمة خاصة: للمرة الأولى وصل المنتخب الإنجليزي الأول للرجال إلى نهائي بطولة كبرى يُقام خارج أرضه.

كما أن رحلة إنجلترا في الأدوار الإقصائية كانت قد أصبحت سلسلة من عمليات النجاة المتأخرة. هدف جود بيلينغهام أمام سلوفاكيا منع الإقصاء، ثم تجاوز الفريق سويسرا بركلات الترجيح، قبل أن يأتي واتكينز ليمنع نصف النهائي من الذهاب أصلًا إلى الوقت الإضافي.

أما هولندا.. فكانت على بعد دقائق من فرصة أخرى

قصة المباراة تبدو مختلفة تمامًا من الجانب الهولندي.

تقدم الفريق في الدقيقة السابعة، تجاوز فترة صعبة بعد التعادل، ثم استعاد قدرًا من السيطرة في الشوط الثاني. ومع اقتراب الدقيقة 90، كان الوقت الإضافي يبدو أقرب سيناريو.

لكن كرة واحدة كانت كافية لإنهاء الحلم.

المدرب رونالد كومان أقر بعد المباراة بأن فريقه عانى في وسط الملعب خلال جزء من الشوط الأول، قبل أن يستعيد توازنه. وفي آخر 20 دقيقة كان الهولنديون يشعرون بأن المباراة أصبحت أقرب إليهم، قبل أن يصل هدف واتكينز في اللحظة الأسوأ الممكنة.

واتكينز يخرج من دور البديل إلى بطل نصف النهائي

قبل تلك الليلة لم يكن أولي واتكينز الاسم الأول الذي يتوقع الجمهور أن يقود إنجلترا إلى النهائي. وجود هاري كين وبيلينغهام وفودين وساكا جعل الأضواء تتجه عادة إلى أسماء أخرى.

لكنه احتاج إلى فرصة واحدة فقط.

اختاره المراقبون الفنيون في UEFA أفضل لاعب في المباراة، ليس فقط بسبب الهدف، وإنما بسبب التأثير الذي أحدثه فور دخوله وتحركاته خلف الدفاع.

والهدف نفسه دخل ضمن أبرز أهداف يورو 2024: تمريرة بالمر، تحرك واتكينز، مقاومة دي فري، ثم التسديدة عبر الحارس إلى القائم البعيد.

كل ذلك حدث خلال دقائق معدودة.

من دورتموند إلى برلين

انتهت ليلة دورتموند، لكن رحلة إنجلترا لم تنتهِ هناك. هدف واتكينز منح الفريق موعدًا مع إسبانيا في النهائي الذي أقيم في برلين يوم 14 يوليو 2024.

النهائي انتهى لاحقًا بفوز إسبانيا 2-1، ولذلك لم تتحول ليلة واتكينز إلى مقدمة لتتويج إنجليزي باللقب.

ومع ذلك بقيت لحظة نصف النهائي قائمة بذاتها في ذاكرة البطولة. فاللاعب الذي دخل في الدقيقة 81 لم يكن يحتاج إلى مباراة كاملة، ولا إلى عشر فرص، ولا حتى إلى عدد كبير من اللمسات.

احتاج إلى تحرك واحد في اللحظة المناسبة، وتمرير واحد من بالمر، ومساحة صغيرة أمام دي فري.

ثم جاءت التسديدة.

وبين دخوله أرض الملعب واحتفال إنجلترا بالتأهل لم تمر سوى دقائق قليلة، لكنها كانت كافية لتحويل أولي واتكينز من بديل ينتظر فرصته إلى صاحب أحد أشهر أهداف إنجلترا في تاريخ كأس أمم أوروبا.

تعليقات