ليلة بكى فيها ميسي وابتسمت الأرجنتين.. قصة نهائي كوبا أمريكا 2024

جلس ليونيل ميسي على مقاعد البدلاء، خلع حذاءه، ونظر إلى أرض الملعب بينما لم يستطع إخفاء دموعه. لم تكن الأرجنتين متأخرة، ولم تكن قد خسرت اللقب، لكن قائدها أدرك أن جسده لن يسمح له بإكمال واحدة من أهم ليالي المنتخب.

كانت النتيجة ما تزال 0-0 أمام كولومبيا، والنهائي يرفض الكشف عن بطله. بالنسبة إلى ميسي، انتهت المباراة قبل أن يعرف كيف ستنتهي. أما بالنسبة إلى الأرجنتين، فكانت القصة الحقيقية على وشك أن تبدأ.

بعد أقل من ساعة، عاد ميسي إلى أرض الملعب للاحتفال. هذه المرة لم تكن هناك دموع إصابة فقط، بل كأس جديدة بين أيدي لاعبي الأرجنتين، وهدف يحمل توقيع رجل بدأ النهائي على مقاعد البدلاء: لاوتارو مارتينيز.

قبل الدموع.. كولومبيا رفضت دور الضيف

لم تدخل كولومبيا نهائي كوبا أمريكا 2024 لمشاهدة ميسي ورفاقه يرفعون الكأس. منتخب المدرب نيستور لورينزو بدأ المباراة بثقة، واستحوذ على الكرة وهدد مرمى إيميليانو مارتينيز مبكرًا.

بعد ست دقائق فقط، اصطدمت محاولة جون كوردوبا بالقائم. وبعدها بدقائق، أرسل خاميس رودريغيز ركلة ركنية خلقت خطورة جديدة داخل منطقة الجزاء الأرجنتينية.

كان المشهد مختلفًا عن نهائيات تستطيع فيها الأرجنتين فرض إيقاعها منذ البداية. كولومبيا امتلكت الشجاعة للضغط والتقدم، بينما احتاج فريق ليونيل سكالوني إلى الوقت حتى يدخل فعليًا في أجواء المواجهة.

وفي وسط هذا الصراع، بدأت ليلة ميسي تأخذ اتجاهًا لم يكن أحد في الجانب الأرجنتيني يريده.

ميسي يسقط.. ثم يحاول الاستمرار

خلال الشوط الأول تعرض ميسي لمشكلة أثناء إحدى المحاولات الهجومية، لكنه أكمل اللعب. كان واضحًا أن القائد لا يريد أن تنتهي مشاركته في النهائي بهذه الطريقة.

عاد إلى الملعب في الشوط الثاني، وواصل المحاولة، لكن جسده حسم القرار في النهاية.

عند الدقيقة 65 تقريبًا، سقط ميسي مجددًا ولم يعد قادرًا على المواصلة. أشار الجهاز الفني إلى التغيير، ودخل نيكولاس غونزاليس مكانه.

مشى الرقم 10 نحو مقاعد البدلاء وهو يتألم. وبعد جلوسه، ظهرت الصورة التي أصبحت واحدة من أكثر صور كوبا أمريكا 2024 انتشارًا: ميسي يبكي بينما زملاؤه ما زالوا يقاتلون من أجل اللقب.

كانت تلك أيضًا لحظة نادرة في مسيرته مع البطولة؛ فقد كانت المرة الأولى التي يغادر فيها مباراة نهائية مع المنتخب الأرجنتيني قبل نهايتها.

الأرجنتين اضطرت إلى تعلم اللعب من دون قائدها

خروج ميسي كان يمكن أن يتحول إلى ضربة نفسية قاسية. لكن بدل انتظار عودة قائد لم يعد بإمكانه العودة، بدأت الأرجنتين تبحث عن بطل آخر.

نيكولاس غونزاليس، البديل المباشر لميسي، بدا قريبًا من لعب هذا الدور. وبعد نحو عشر دقائق من دخوله، أرسل الكرة إلى الشباك بعد تمريرة خلفية من نيكولاس تاغليافيكو.

الاحتفال لم يدم طويلًا. مراجعة اللقطة أظهرت وجود تسلل في بداية الهجمة، وبقيت النتيجة 0-0.

لكن شيئًا كان قد تغير. الأرجنتين بدأت تقترب أكثر من مرمى كاميلو فارغاس، وغونزاليس حصل على فرص أخرى في الدقائق الأخيرة من الوقت الأصلي.

لم تدخل أي منها.

انتهت التسعون دقيقة دون أهداف، وأصبح اللقب بحاجة إلى وقت إضافي.

في مكان آخر من الملعب.. دي ماريا كان يعيش وداعه

بينما كانت الكاميرات تلاحق دموع ميسي، كان لاعب أرجنتيني آخر يعرف أن هذه الدقائق ستكون الأخيرة له بقميص المنتخب.

أنخيل دي ماريا دخل النهائي وهو يعرف أنه سيودع الأرجنتين بعد المباراة.

لسنوات طويلة عاش دي ماريا كل شيء تقريبًا مع المنتخب: الهزائم المؤلمة، الانتقادات، النهائيات الضائعة، ثم التحول الكبير الذي بدأ مع تتويج كوبا أمريكا 2021 واستمر إلى كأس العالم 2022.

والآن كان أمامه نهائي أخير.

لم يكن يريد أن يكون وداعه مجرد حفل عاطفي. ظل حاضرًا في المباراة، وتحرك باستمرار على الجهة الهجومية، واستمر حتى الدقائق الأخيرة من الوقت الإضافي.

لكن قبل أن يخرج، كان لا بد من معرفة هل سيغادر المنتخب بفضية أم بكأس جديدة.

الدقيقة 112.. ثلاثة لاعبين صنعوا النهاية

كانت المباراة قد تجاوزت ساعتين تقريبًا من اللعب عندما بدأت الهجمة التي أنهت كل شيء.

لم تبدأ من تمريرة استعراضية، بل من افتكاك قوي للكرة في وسط الملعب عن طريق لياندرو باريديس.

انتقلت الكرة سريعًا إلى جيوفاني لو سيلسو.

وأمام الدفاع الكولومبي، انطلق لاوتارو مارتينيز إلى المساحة.

وصلت إليه تمريرة لو سيلسو، وأصبح المهاجم وجهًا لوجه مع كاميلو فارغاس.

هذه هي اللحظات التي يمكن أن تتحول فيها بطولة كاملة إلى لمسة واحدة.

رفع لاوتارو الكرة بقوة فوق الحارس وإلى داخل الشباك.

الأرجنتين 1.. كولومبيا 0.

الدقيقة 112.

على مقاعد البدلاء تغير وجه ميسي. اللاعب الذي كان يبكي قبل قليل أصبح يحتفل مع زملائه، بينما ركض لاوتارو نحو الجماهير بعد الهدف الذي أصبح الأغلى في بطولته.

لماذا كان لاوتارو هو الرجل المناسب لهذه اللحظة؟

المفارقة أن صاحب هدف النهائي لم يبدأ المباراة أساسيًا.

سكالوني اعتمد على جوليان ألفاريز منذ البداية، بينما انتظر لاوتارو فرصته على مقاعد البدلاء. وعندما دخل في الدقيقة 96، كان أمامه جزء صغير فقط من النهائي لترك بصمته.

لكنه وصل إلى المباراة وهو أحد أكثر لاعبي الأرجنتين فاعلية أمام المرمى خلال البطولة.

هدف كولومبيا كان الخامس له في كوبا أمريكا 2024، وهو الهدف الذي ضمن له صدارة هدافي البطولة. وهكذا تحولت مشاركته القصيرة في النهائي إلى اللحظة التي حسمت اللقب بأكمله.

لم يكن المطلوب منه صناعة اللعب أو لمس الكرة عشرات المرات. كان المطلوب أن يظهر عندما تتاح المساحة، وهذا بالضبط ما حدث في الدقيقة 112.

ثم جاء وقت الوداع

بعد هدف لاوتارو، أصبحت الدقائق تمر بطريقة مختلفة بالنسبة إلى الأرجنتين. لم يعد السؤال من سيسجل أولًا، بل هل تستطيع كولومبيا العودة قبل صافرة النهاية؟

وقبل النهاية بخمس دقائق تقريبًا، رفع سكالوني الرقم 11 على لوحة التبديلات.

أنخيل دي ماريا سيخرج.

دخل نيكولاس أوتاميندي مكانه، بينما غادر دي ماريا أرض الملعب وسط تحية كبيرة. لم يعد هناك نهائي آخر ينتظره مع الأرجنتين؛ كانت هذه آخر خطواته بقميص المنتخب داخل مباراة رسمية.

وبعد اللقاء اختير دي ماريا أفضل لاعب في المباراة، لتصبح ليلة الوداع أكثر خصوصية.

صافرة النهاية أعادت ميسي إلى الملعب

حاولت كولومبيا البحث عن التعادل في الدقائق المتبقية، لكن الأرجنتين حافظت على تقدمها حتى النهاية.

وعندما جاءت صافرة الحكم رافاييل كلاوس، انتهت حالة الانتظار التي عاشها ميسي على مقاعد البدلاء.

عاد القائد إلى زملائه. الإصابة لم تعد القصة الوحيدة في تلك اللحظة. أصبح هناك لقب جديد يجب الاحتفال به.

انتهى النهائي بنتيجة 1-0، لكن الرقم الأكثر أهمية للأرجنتينيين كان 16.

النجمة السادسة عشرة

بالفوز على كولومبيا، وصلت الأرجنتين إلى لقبها السادس عشر في كوبا أمريكا، لتنفرد بالرقم القياسي في عدد مرات التتويج بالبطولة.

وكان الإنجاز أكبر من مجرد كأس منفردة.

فهذا الجيل فاز بكوبا أمريكا 2021، ثم كأس العالم 2022، ثم عاد ليحافظ على لقب كوبا أمريكا في 2024.

أما ليونيل سكالوني، فقد أضاف لقبًا جديدًا إلى الفترة الأكثر نجاحًا في مسيرته مع المنتخب الأرجنتيني.

كولومبيا خرجت بلا كأس.. ولكنها لم تخرج صغيرة

الطرف الآخر من الصورة كان أكثر قسوة.

دخل المنتخب الكولومبي النهائي بعد سلسلة طويلة من المباريات دون هزيمة، وقدم بطولة جعلته أحد أقوى منتخبات القارة في تلك الفترة.

وفي النهائي نفسه، لم يكن مجرد فريق يدافع وينتظر. امتلك الكرة لفترات، صنع الفرص، وأجبر الأرجنتين على الوصول إلى الدقيقة 112 قبل أن تجد طريقها إلى الشباك.

خاميس رودريغيز أنهى البطولة كأحد أبرز نجومها، بينما قدم لويس دياز ورفاقه مشوارًا جعل خسارة النهائي مؤلمة أكثر، لأن الفارق بينهم وبين الكأس كان هدفًا واحدًا فقط في الوقت الإضافي.

صورة واحدة لثلاث قصص

عند مراسم التتويج، اجتمعت القصص الثلاث التي صنعت النهائي.

ميسي، الذي خرج مصابًا وباكيًا، أصبح بطلًا مرة أخرى.

دي ماريا، الذي كان يخوض مباراته الأخيرة، أنهى رحلته مع المنتخب بكأس جديدة.

ولاوتارو، الذي بدأ المباراة على مقاعد البدلاء، أصبح صاحب الهدف الذي منح الاثنين تلك النهاية.

لهذا لم يكن نهائي كوبا أمريكا 2024 مجرد مباراة انتهت بهدف دون رد.

كانت ليلة تغيرت فيها الأدوار باستمرار: قائد اضطر إلى مشاهدة النهاية من الخارج، ونجم عاش آخر مباراة له، وبديل دخل متأخرًا ليقرر مصير اللقب.

بدأت إحدى أشهر صور الليلة بليونيل ميسي وهو يبكي على مقاعد البدلاء.

وانتهت به وهو يحمل الكأس.

تعليقات