طارق السكتيوي يعلن عن لائحة النهائية المشاركة في الألعاب الأولمبية.

 

عندما أعلن طارق السكتيوي قائمة المنتخب المغربي المشاركة في أولمبياد باريس 2024، كان الحديث يدور أساسًا عن الأسماء المختارة، اللاعبين فوق السن الأولمبي، وفرص أسود الأطلس في تجاوز دور المجموعات.

بعد أسابيع قليلة فقط، لم تعد تلك القائمة مجرد مجموعة من اللاعبين المسافرين إلى فرنسا.

تحولت إلى جيل صنع واحدة من أهم صفحات تاريخ كرة القدم المغربية، بعدما عاد المنتخب الأولمبي من باريس بالميدالية البرونزية، وهي أول ميدالية أولمبية للمغرب في مسابقة كرة القدم.

والأهم أن هذا الإنجاز لم يأت من مباراة واحدة، بل من رحلة بدأت بانتصار مثير على الأرجنتين وانتهت بسداسية تاريخية أمام مصر.

من إعلان اللائحة إلى حلم الميدالية

اختار طارق السكتيوي مجموعة جمعت بين لاعبين شباب يملكون التجربة الأوروبية، وعناصر أكثر خبرة كان الهدف منها منح المنتخب التوازن في بطولة قصيرة لا تسمح بالكثير من الأخطاء.

ومن بين أبرز الأسماء التي حملت المشروع المغربي في باريس: أشرف حكيمي، سفيان رحيمي، عبد الصمد الزلزولي، بلال الخنوس، إلياس أخوماش، أمير ريتشاردسون وأسامة ترغالين.

وجود حكيمي منح المنتخب قائدًا يمتلك خبرة المباريات الكبرى، بينما وفر رحيمي حلًا هجوميًا حاسمًا أمام المرمى.

أما بقية المجموعة فكانت تمثل جيلاً شابًا وصل إلى فرنسا وهو يريد إثبات أنه قادر على منافسة منتخبات تمتلك تاريخًا أولمبيًا أكبر.

الأرجنتين.. البداية التي غيرت كل شيء

أول اختبار للمغرب لم يكن سهلًا.

المنتخب وجد نفسه أمام الأرجنتين، أحد أبرز المرشحين للمنافسة على الميداليات، لكن أسود الأطلس قدموا مباراة كشفت منذ البداية أن مشاركتهم لن تكون مجرد حضور رمزي.

تقدم المغرب بهدفين، قبل أن تعود الأرجنتين إلى المباراة، وانتهت المواجهة بفوز مغربي بنتيجة 2-1 بعد أحداث مثيرة رافقت نهايتها.

كان الانتصار أكثر من ثلاث نقاط.

لقد منح اللاعبين ثقة مبكرة بأنهم قادرون على الوقوف أمام كبار البطولة.

صدمة أوكرانيا لم تكسر الفريق

بعد البداية المثالية، جاء الاختبار الثاني أمام أوكرانيا.

ورغم أن المغرب لعب لفترة أمام منافس منقوص عدديًا، فإن المنتخب الأوكراني سجل هدفًا قاتلًا في الدقائق الأخيرة وفاز 2-1.

فجأة، تغيرت صورة المجموعة.

المنتخب الذي بدأ بانتصار على الأرجنتين أصبح مطالبًا بالفوز على العراق حتى لا يدخل في حسابات معقدة.

وهنا ظهرت إحدى أهم صفات هذا الجيل: القدرة على الرد مباشرة بعد الخسارة.

ثلاثية العراق.. رسالة قبل الأدوار الإقصائية

أمام العراق، قدم المنتخب المغربي واحدة من أفضل مبارياته في دور المجموعات.

حسم المواجهة بنتيجة 3-0، وضمن التأهل إلى ربع النهائي متصدرًا مجموعته.

لم تكن النتيجة المهمة الوحيدة.

طريقة اللعب نفسها أعطت انطباعًا بأن المنتخب أصبح أكثر انسجامًا، وأن عناصره الهجومية بدأت تجد المساحات بطريقة أفضل.

بعد ثلاث مباريات فقط، انتقل المغرب من مرحلة اختبار الحظوظ إلى مرحلة التفكير الحقيقي في الميدالية.

أمريكا 0-4 المغرب.. المباراة التي رفعت سقف الطموح

في ربع النهائي، واجه المغرب الولايات المتحدة.

كان من الممكن أن تكون مباراة مغلقة ومتوترة، لكن أسود الأطلس حولوها إلى عرض هجومي كبير.

فاز المغرب بنتيجة 4-0، ليحجز مكانه في نصف النهائي للمرة الأولى في تاريخه.

هنا تغيرت اللغة المحيطة بالمنتخب.

لم يعد السؤال: هل يستطيع المغرب تحقيق نتيجة جيدة؟

أصبح السؤال: أي ميدالية يمكن لهذا الجيل أن يحققها؟

إسبانيا توقف حلم النهائي

في نصف النهائي، اصطدم المغرب بمنتخب إسبانيا.

تقدم أسود الأطلس عن طريق سفيان رحيمي من ركلة جزاء، لكن الإسبان عادوا في الشوط الثاني، وسجل فيرمين لوبيز هدف التعادل قبل أن يمنح خوانلو سانشيز إسبانيا الفوز بنتيجة 2-1.

الخسارة كانت قاسية لأن المغرب أصبح قريبًا جدًا من خوض نهائي أولمبي تاريخي.

لكن البطولة لم تكن قد انتهت.

كان أمام اللاعبين اختبار نفسي أكبر: تحويل خيبة ضياع النهائي إلى طاقة في مباراة البرونزية.

المغرب ضد مصر.. 90 دقيقة صنعت التاريخ

في 8 أغسطس 2024، دخل المغرب مواجهة مصر في نانت وهو يبحث عن أول ميدالية أولمبية في تاريخ كرة القدم المغربية.

المباراة التي كان من المتوقع أن تكون متوازنة تحولت إلى واحدة من أكبر الانتصارات في مباريات تحديد المركز الثالث في تاريخ البطولة.

افتتح عبد الصمد الزلزولي التسجيل في الدقيقة 23.

بعد ثلاث دقائق فقط، أضاف سفيان رحيمي الهدف الثاني.

وفي الشوط الثاني، سجل بلال الخنوس الهدف الثالث في الدقيقة 51، ثم عاد رحيمي ليضيف هدفه الشخصي الثاني والرابع للمغرب في الدقيقة 64.

وسجل أكرم نقاش الهدف الخامس في الدقيقة 73.

أما المشهد الأخير، فجاء بتوقيع القائد أشرف حكيمي، الذي سجل الهدف السادس في الدقيقة 87.

المغرب 6-0 مصر.

لم تكن مجرد برونزية، بل نهاية تليق ببطولة تاريخية.

رحيمي.. من عنصر خبرة إلى هداف الأولمبياد

إذا كان الإنجاز جماعيًا، فإن سفيان رحيمي كان الاسم الأكثر حضورًا أمام المرمى.

أنهى مهاجم المغرب البطولة برصيد 8 أهداف، متصدرًا ترتيب هدافي مسابقة كرة القدم للرجال في باريس 2024.

والأكثر إثارة أنه سجل في جميع مباريات المغرب الست في البطولة.

من الأرجنتين إلى مصر، ظل رحيمي حاضرًا في اللحظات التي احتاج فيها المنتخب إلى هدف.

ووصل رصيده إلى ثمانية أهداف بعد ثنائيته في مباراة البرونزية، ليحفر اسمه في تاريخ المشاركة الأولمبية المغربية.

أشرف حكيمي.. قائد لم يأت إلى باريس للسياحة

وجود أشرف حكيمي ضمن اللاعبين الذين تجاوزوا السن الأولمبي لم يكن مجرد إضافة اسم كبير إلى القائمة.

كان السكتيوي بحاجة إلى لاعب يعرف ضغط المباريات الكبرى، وقادر على قيادة مجموعة شابة في بطولة تجمع بين السرعة وقلة الوقت المتاح للتعويض.

حكيمي قدم هذا الدور داخل الملعب، ثم ختم البطولة بطريقة رمزية جدًا عندما سجل الهدف السادس أمام مصر.

كان هدفًا للقائد في المباراة التي منحت بلاده أول ميدالية أولمبية في كرة القدم.

الزلزولي.. بداية السداسية

عبد الصمد الزلزولي دخل البطولة كأحد أهم الأسلحة الفردية للمغرب على الأطراف.

سرعته وقدرته على المواجهات الفردية منحا المنتخب حلًا مختلفًا عندما تصبح المساحات ضيقة.

وفي مباراة مصر، كان هو من فتح باب الانتصار بهدف رائع في الدقيقة 23.

الهدف حرر المنتخب من الضغط، وبعده بثلاث دقائق فقط جاء هدف رحيمي الثاني لتبدأ المباراة في الاتجاه نحو نتيجة تاريخية.

الخنوس وأخوماش وريتشاردسون.. الجيل الذي كسب خبرة لا تقدر بثمن

القيمة الحقيقية لأولمبياد باريس لم تكن في الميدالية وحدها.

عدد من اللاعبين الشباب خاضوا ست مباريات في بطولة عالمية أمام مدارس كروية مختلفة: أمريكا الجنوبية، أوروبا، آسيا وإفريقيا.

بلال الخنوس كان أحد أهم عناصر الربط بين الوسط والهجوم وسجل في مباراة البرونزية.

إلياس أخوماش منح الفريق حلولًا على الأطراف، بينما كان أمير ريتشاردسون وأسامة ترغالين جزءًا مهمًا من توازن خط الوسط.

هذه التجربة جعلت باريس 2024 محطة تطوير لجيل كامل، وليس فقط بطولة انتهت بميدالية.

كيف تغير تقييم قائمة السكتيوي؟

عند إعلان القائمة، كانت النقاشات تدور حول اختيارات المدرب.

هل العدد الكافي من أصحاب الخبرة موجود؟ هل يستطيع رحيمي نقل مستواه إلى البطولة الأولمبية؟ هل يتحمل اللاعبون الشباب ضغط المنافسة؟

بعد نهاية البطولة، أصبحت الإجابات موجودة في النتائج.

ست مباريات.

أربعة انتصارات.

مكان في نصف النهائي.

ستة أهداف في مباراة البرونزية.

وأول ميدالية أولمبية في تاريخ كرة القدم المغربية.

لهذا فإن تقييم القائمة لا ينبغي أن يبقى مرتبطًا بيوم إعلانها، بل بما صنعته داخل الملعب.

ست مباريات صنعت رحلة المغرب في باريس

الدور المباراة النتيجة
المجموعات المغرب × الأرجنتين 2-1
المجموعات المغرب × أوكرانيا 1-2
المجموعات المغرب × العراق 3-0
ربع النهائي المغرب × الولايات المتحدة 4-0
نصف النهائي المغرب × إسبانيا 1-2
البرونزية المغرب × مصر 6-0

من قائمة على الورق إلى جيل في تاريخ الكرة المغربية

التاريخ يحتفظ عادة بالنتائج، لكنه يحتفظ أيضًا بالأجيال التي صنعتها.

قائمة طارق السكتيوي التي خرجت إلى العلن قبل أولمبياد باريس لم يكن من الممكن الحكم عليها وقتها إلا بالأسماء والتوقعات.

أما بعد البطولة، فقد أصبح الحكم مختلفًا تمامًا.

هذا الجيل هزم الأرجنتين، اكتسح الولايات المتحدة، نافس إسبانيا حتى الدقائق الأخيرة، ثم أنهى رحلته بسداسية أمام مصر.

سفيان رحيمي أصبح هداف البطولة بثمانية أهداف، وأشرف حكيمي رفع راية القيادة، بينما خرج عدد من اللاعبين الشباب من باريس بخبرة يصعب الحصول عليها في أي معسكر أو مباراة ودية.

والنتيجة الأخيرة كانت قطعة برونزية صغيرة في حجمها، لكنها كبيرة جدًا في تاريخ كرة القدم المغربية.

تعليقات