كانت ركلات الترجيح تقترب، والتعادل السلبي يثقل أقدام اللاعبين، عندما ظهر أيوب الكعبي في اللحظة التي احتاجه فيها أولمبياكوس. انطلق نحو عرضية سانتياغو هيزي، وانحنى ليحولها برأسه إلى الشباك، فانتقلت ليلة أثينا من انتظار الحسم إلى احتفال بهدف سيبقى حاضرًا في تاريخ النادي اليوناني.
بذلك الهدف في الدقيقة 116، قاد المهاجم المغربي أولمبياكوس إلى الفوز على فيورنتينا الإيطالي 1–0 بعد الوقت الإضافي، في نهائي دوري المؤتمر الأوروبي يوم الأربعاء 29 مايو 2024. وكان مسرح التتويج ملعب «آيك أرينا» في أثينا، حيث انتهت مواجهة متقاربة بلحظة واحدة صنعت الفارق بين فريقين بحثا طويلًا عن طريق إلى المرمى.

الكعبي يحسم نهائي دوري المؤتمر الأوروبي برأسية متأخرة
لم يكن الهدف ثمرة فرصة مريحة أو مساحة واسعة داخل منطقة الجزاء. احتاج الكعبي إلى قراءة مسار الكرة، والتقدم في التوقيت المناسب، ثم توجيه الرأسية رغم قرب المدافع. وكانت عرضية هيزي من الجهة اليسرى بداية المشهد الذي منح أولمبياكوس أفضلية لم يفرط فيها حتى صافرة النهاية.
وبعد دخول الكرة، بقي الاحتفال معلقًا خلال مراجعة تقنية الفيديو لاحتمال وجود تسلل. حمل الانتظار توترًا إضافيًا للاعبين والجماهير، قبل اعتماد الهدف وتحول الفرحة إلى يقين. لم تعد المباراة بحاجة إلى انتظار ركلات الترجيح لتحديد بطلها؛ أصبح على الفريق اليوناني حماية الدقائق المتبقية.
قيمة الرأسية لا تنفصل عن توقيتها. ففي مرحلة يتراجع فيها التركيز بفعل الإجهاد، ظل الكعبي مستعدًا للتحرك داخل المنطقة. ويمكن قراءة الهدف بوصفه مثالًا على أهمية استمرار المهاجم في البحث عن الفرصة، حتى عندما تمر عليه فترات طويلة دون استقبال كرة مناسبة للتسجيل.
بداية مفتوحة وفرص لم تجد طريقها إلى الشباك
دخل أولمبياكوس المباراة برغبة في تهديد مرمى منافسه مبكرًا، وكانت تحركات دانيال بودينسي على الجهة اليسرى من وسائل الفريق للوصول إلى المنطقة. لكن فيورنتينا لم يكتف بالمراقبة، ورد بمحاولات حملت الخطر عبر تحركات لاعبيه بين الأطراف وعمق الهجوم.
وجاءت إحدى لحظات الترقب المبكرة مع كرة أدخلها الفريق الإيطالي الشباك قبل إلغائها بداعي التسلل. أبقى القرار النتيجة عند التعادل السلبي، لكنه أكد أن خطوط الدفاع لا تملك هامشًا كبيرًا للخطأ، وأن أي تأخر في التعامل مع كرة داخل المنطقة قد يغير اتجاه النهائي.
حصل جياكومو بونافنتورا على فرص مهمة في الشوط الأول، غير أن كونستانتينوس تزولاكيس ساعد أولمبياكوس على الخروج منها دون استقبال هدف. وفي الجانب المقابل، بقي بيترو تيراتشيانو حاضرًا في التعامل مع محاولات الفريق اليوناني، ومنها الكرات التي احتاجت إلى خروج سريع وحسم قبل وصول المهاجم.
أظهر هذا الجزء من اللقاء الفرق بين الاقتراب من المرمى وإتمام الهجمة. فقد صنع فيورنتينا مواقف واعدة، لكنه لم يحولها إلى أفضلية على لوحة النتيجة. وكلما بقي التعادل، احتفظ أولمبياكوس بفرصته في العودة إلى الهجوم وانتظار اللحظة التي تسمح له باستثمار قدرات الكعبي.

الشوط الثاني: صراع على المساحات وتألق للحارسين
بعد الاستراحة، أصبح الوصول إلى فرص واضحة أكثر صعوبة. حاول كل فريق تقليل المساحات المتاحة لمنافسه، فبرزت الالتحامات ومتابعة الكرات المرتدة والبحث عن التمريرة التي تتجاوز الضغط. لم تكن المواجهة خالية من المحاولات، لكنها افتقدت اللمسة التي تمنح إحدى الهجمات نهايتها المطلوبة.
ومن أبرز الفرص محاولة كريستيان كوامي التي تعامل معها تزولاكيس بنجاح. وعلى الجانب الآخر، اقترب فيسنتي إيبورا من التسجيل برأسية مرت بجوار القائم. كانت تلك الكرات كافية لإبقاء التوتر حاضرًا، لأن هدفًا واحدًا في هذا النوع من النهائيات قد يفرض على الطرف الآخر تغيير حساباته بالكامل.
وبين الدفاع والهجوم، ظل الكعبي مطالبًا بالتحرك حتى عندما لا تصل إليه الكرة. فالمدافع يراقب المهاجم، والمهاجم يبحث عن توقيت يغير فيه اتجاهه أو يسبق رقابته. وقد لا تظهر قيمة هذه التحركات في سجل التسديدات، لكنها تؤثر في المساحات التي يمكن أن يستغلها اللاعب وزملاؤه.
انتهت الدقائق التسعون دون أهداف. ولم يكن التعادل يعني غياب المنافسة، بل عكس قدرة كل طرف على إفساد جزء كبير من خطط الآخر. ومع الانتقال إلى الوقت الإضافي، أصبحت إدارة الجهد والتبديلات والحفاظ على الانضباط عوامل أكثر حضورًا في تحديد مصير الكأس.
الوقت الإضافي: يوفيتيتش يهدد والكعبي ينهي الانتظار
منح ستيفان يوفيتيتش أولمبياكوس محاولة خطيرة في الشوط الإضافي الأول، عندما أطلق تسديدة أبعدها تيراتشيانو. وكانت اللقطة تذكيرًا بأن البدلاء يستطيعون تغيير إيقاع المباراة، حتى إذا بقيت النتيجة على حالها، من خلال تقديم حلول جديدة أمام دفاع بدأ يشعر بالإرهاق.
استمر تبادل المحاولات دون نجاح، وبدا أن الفريقين يتجهان إلى اختبار ركلات الترجيح. لكن الكعبي بقي داخل منطقة الحسم، منتظرًا الكرة التي تسمح له بالتحرك أمام المرمى. وعندما وصلت عرضية هيزي، أنهى المغربي انتظارًا امتد إلى الدقيقة 116.
فرض الهدف على فيورنتينا الاندفاع بحثًا عن التعادل، فيما انشغل أولمبياكوس بإغلاق الطريق إلى مرماه. وفي تلك الدقائق، أصبحت الكرات المبعدة والالتحامات الدفاعية جزءًا من صناعة الفوز بقدر أهمية الرأسية نفسها. احتاج الفريق إلى إكمال المهمة جماعيًا حتى لا يضيع أثر الهدف المتأخر.
لماذا نجحت حركة الكعبي في الهدف؟
من الناحية الفنية، لم يكن التحدي مجرد الوصول إلى عرضية، بل التخلص من رقابة استمرت معظم اللقاء. وأبرز التحليل الفني للاتحاد الأوروبي الصراع بين الكعبي والمدافع نيكولا ميلنكوفيتش، وكيف تمكن المهاجم في لقطة الحسم من استغلال تغير وضعية الدفاع بعد إبعاد الكرة الأولى واستعادة أولمبياكوس للاستحواذ.
توضح اللقطة أهمية الهجمة الثانية؛ فإبعاد العرضية لا ينهي الخطر بالضرورة إذا عادت الكرة سريعًا إلى الفريق المهاجم. في تلك اللحظة، قد تتغير مواقع المدافعين بينما يعيد المهاجم تمركزه. وبالنسبة للكعبي، كانت المسافة الصغيرة التي كسبها كافية للوصول إلى الكرة قبل أن يغلق الطريق أمامه.
ولهذا لا يختصر الهدف في مهارة ضرب الكرة بالرأس وحدها. فقبل اللمسة توجد قراءة للموقف، ثم قرار بالحركة، وبعده قدرة على تنفيذها تحت الضغط. اجتماع هذه التفاصيل في ثانية واحدة هو ما جعل فرصة صعبة تتحول إلى هدف نهائي أوروبي.

تزولاكيس والدفاع يمنحان الهدف قيمته الكاملة
استحق الكعبي الاحتفاء بوصفه صاحب هدف التتويج، لكن فاعلية ذلك الهدف ارتبطت ببقاء شباك فريقه نظيفة. فقد قدم تزولاكيس تدخلات مهمة، وعمل الدفاع على منع فيورنتينا من استثمار وصوله إلى المنطقة. ومن دون هذا الجهد، كان شكل المباراة وحساباتها سيختلفان.
وأشار تحليل UEFA إلى مساهمة إيبورا وديفيد كارمو في التعامل مع الكرات العالية، وإلى ضغط الفريق وتتبع تحركات المهاجمين. وهذه عناصر تساعد على تفسير الصمود الدفاعي، بعيدًا عن اختزال الأداء في تصدي واحد أو إبعاد أخير أمام المرمى.
وعند تقييم النهائي، تبدو الأدوار مترابطة: المهاجم يحول الفرصة إلى هدف، والحارس يمنع هدفًا في الجهة المقابلة، ولاعب الوسط يساعد الفريق على الانتقال بين الحالتين. بذلك اكتسب انتصار أولمبياكوس طابعه الجماعي، رغم أن الصورة الأبرز بقيت للكعبي وهو يحتفل بلحظة الحسم.
أيوب الكعبي هداف البطولة بـ11 هدفًا
أنهى الكعبي دوري المؤتمر الأوروبي لموسم 2023–2024 في صدارة الهدافين برصيد 11 هدفًا في تسع مباريات. وتكتسب الحصيلة أهميتها من أن أولمبياكوس انضم إلى المسابقة عند الأدوار الإقصائية، بعد انتقاله من الدوري الأوروبي، فلم يستفد المغربي من خوض دور المجموعات في دوري المؤتمر.
وسجل هدفًا في كل من مباراتي فيرينتسفاروش، وثلاثة أهداف في مجموع مواجهتي مكابي تل أبيب، وخمسة أمام أستون فيلا، ثم هدف النهائي. ويبين هذا التوزيع أن تأثيره امتد عبر مراحل مختلفة، ولم يكن مرتبطًا بمباراة استثنائية واحدة فقط.
وبحسب UEFA، مثلت أهدافه الأحد عشر وقتها رقمًا قياسيًا في الأدوار الإقصائية لنسخة واحدة من مسابقات الأندية الأوروبية، متجاوزًا حاجز العشرة الذي سجله كريم بنزيما وكريستيانو رونالدو وراداميل فالكاو في نسخ سابقة. إنها مقارنة تتعلق بالأهداف في الأدوار الإقصائية تحديدًا، لا بإجمالي أهداف هؤلاء اللاعبين في مسيرتهم أو في موسم كامل.
من نصف النهائي إلى أثينا: استمرارية في الحسم
دخل الكعبي النهائي بعد بصمة واضحة أمام أستون فيلا. سجل ثلاثية في فوز أولمبياكوس ذهابًا 4–2، ثم أضاف هدفي الفوز 2–0 في الإياب، ليعبر الفريق اليوناني بنتيجة إجمالية 6–2. كانت خمسة من أهداف فريقه الستة في تلك المواجهة تحمل توقيعه.
وفي الإياب، استفاد من عرضية عند القائم البعيد في الهدف الأول، ثم تحرك خلف الدفاع ليحرز الثاني. وعند مقارنة هذه اللقطات برأسية النهائي، يظهر خيط مشترك: البحث عن المساحة التي تسمح بإنهاء الهجمة بسرعة، بدل انتظار مواجهة فردية طويلة بالكرة.
ومع ذلك، اختلف تحدي فيورنتينا عن تحدي أستون فيلا؛ فالنهائي كان أكثر ضيقًا من حيث الفرص المتاحة للمهاجم المغربي. ولذلك حمل الهدف المتأخر معنى إضافيًا، إذ نجح في تقديم الحسم نفسه رغم تغير طبيعة المباراة وطريقة مراقبته داخل المنطقة.
مينديليبار يقود أولمبياكوس إلى ليلة تاريخية
تولى خوسيه لويس مينديليبار تدريب أولمبياكوس في فبراير 2024، وقاد الفريق في رحلة انتهت بالكأس الأوروبية. اعتمد على وضوح الأدوار والاستفادة من قدرات لاعبيه، مع وجود الكعبي في المقدمة وبودينسي وفورتونيس ضمن الحلول الهجومية، ووسط قادر على العمل في الضغط والتغطية.
ولم يكن الوصول إلى النهائي طريقًا مستقيمًا. عبر أولمبياكوس فيرينتسفاروش، ثم تجاوز مكابي تل أبيب بعد وقت إضافي، وأقصى فنربخشة بركلات الترجيح قبل التفوق على أستون فيلا. فرضت هذه الأدوار على الفريق التعامل مع سيناريوهات مختلفة، من تعويض التأخر إلى حماية الأفضلية وانتظار الحسم من علامة الجزاء.
وفي أثينا، احتاج المدرب إلى إدارة مواجهة لا تمنحه أهدافًا مبكرة ولا مساحات واسعة. وقد انتهت تلك الإدارة بفريق ظل قادرًا على المنافسة حتى الدقائق الأخيرة، ثم استفاد من فرصة مهاجمه وحافظ على النتيجة. وهذه قراءة لأثر التوازن والصبر في النهائي، وليست اختزالًا للفوز في قرار تكتيكي واحد.
التشكيلة الأساسية وأدوار البدلاء في النهائي
بدأ أولمبياكوس اللقاء بتزولاكيس في حراسة المرمى، وأمامه روديني وريتسوس وديفيد كارمو وأورتيغا، مع هيزي وإيبورا وتشيكينيو وفورتونيس وبودينسي، والكعبي في المقدمة. منح هذا الاختيار الفريق عناصر قادرة على مساندة المهاجم عبر الأطراف، وأخرى تتحمل مسؤولية استرجاع الكرة والتغطية أمام الدفاع.
وضمت تشكيلة فيورنتينا تيراتشيانو، ودودو وميلنكوفيتش ومارتينيز كوارتا وبيراغي، وأرتور وماندراغورا وبونافنتورا، ونيكولاس غونزاليس وكوامي وبيلوتي. وتنوعت خياراته الهجومية بين الحركة على الطرفين والوجود في عمق المنطقة، لكن صناعة المواقف الهجومية لم تتبعها اللمسة الحاسمة التي تغير النتيجة.
ومع امتداد اللقاء، دخل من جانب أولمبياكوس يوفيتيتش وأندريه هورتا وكويني وماسوراس، ثم يوسف العربي بدل الكعبي في الوقت المحتسب بدل الضائع من الشوط الإضافي الثاني. وفي المقابل، استعان فيورنتينا بنزولا ودنكان وباراك وإيكوني، ثم رانييري وبيلتران، بحثًا عن تجديد الجهد وإيجاد حل هجومي.
تسمح هذه التغييرات بفهم جانب من صعوبة النهائي؛ فالمدرب لا يختار لاعبًا جديدًا بمعزل عن حالة المباراة، بل يحاول تعويض الإجهاد دون إفساد التوازن. وعندما استمر التعادل إلى وقت متأخر، بات مطلوبًا من البدلاء الدخول سريعًا في إيقاع شديد الحساسية، حيث لا توجد دقائق كثيرة لتدارك فقدان التركيز.
جائزة أفضل لاعب تتوج ليلة المهاجم المغربي
اختير الكعبي أفضل لاعب في نهائي دوري المؤتمر الأوروبي 2024. وربطت لجنة المراقبين الفنيين في UEFA الاختيار بالمجهود الذي قدمه طوال اللقاء، إلى جانب الهدف الذي حسمه. فقد واجه مهمة صعبة وفرصًا محدودة، لكنه واصل العمل حتى حصل على اللحظة المناسبة.
وقبل النهائي، تحدث اللاعب في مقابلة مع الاتحاد الأوروبي عن نشأته في الدار البيضاء وعن العمل والاجتهاد في بداياته. كما وصف الانضمام إلى أولمبياكوس بأنه تحد شخصي وفرصة لتحقيق حلم اللعب في المنافسات الأوروبية. منح الفوز تلك الكلمات نهاية رياضية واضحة: مهاجم يدخل تجربة جديدة، ثم ينهي ليلتها الأهم وهو صاحب هدف الكأس.
وبالنسبة إلى المتابع المغربي، اجتمع في المشهد نجاح فردي مع مساهمة مباشرة في إنجاز جماعي. لم يكن الكعبي حاضرًا ضمن قائمة البطل فحسب، بل كان هداف البطولة وصاحب الهدف الوحيد في النهائي، وهي عناصر كافية لتفسير المكانة الخاصة التي احتلتها هذه الليلة في مسيرته.

أولمبياكوس يفتح صفحة جديدة في تاريخ الكرة اليونانية
منح التتويج أولمبياكوس أول لقب كبير للأندية اليونانية في مسابقات UEFA للرجال، وأصبح ثالث بطل لدوري المؤتمر الأوروبي بعد روما في 2022 ووست هام يونايتد في 2023. أما فيورنتينا، فغادر النهائي بخيبة ثانية على التوالي بعد خسارته النسخة السابقة أمام الفريق الإنجليزي.
تلك النتيجة تفسر المشاعر المتباينة عند النهاية: فرحة اكتشاف المجد الأوروبي في جانب، وحسرة الاقتراب منه مجددًا دون الوصول إليه في الجانب الآخر. وقد كانت المسافة بين الشعورين رأسية متأخرة، بعد مباراة احتاج فيها الطرفان إلى مجهود طويل وصبر على غياب الأهداف.
ستحفظ ذاكرة النهائي اسم أيوب الكعبي مع الدقيقة 116، لكنها ستحتفظ أيضًا بتصديات تزولاكيس وعرضية هيزي وعمل زملائهما. اجتمعت تلك الأدوار لتمنح أولمبياكوس كأسه، وتمنح المهاجم المغربي واحدة من أهم لحظات مسيرته: هدفًا حاسمًا، ولقب هداف، وليلة تتويج في أثينا.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق