Post Page إعلان [Top]

 

هناك سؤال أصبح يفرض نفسه بقوة على جماهير كرة القدم: لماذا تبدو الأرجنتين أكثر حرصًا على حماية مكانة ليونيل ميسي، بينما يعيش كريستيانو رونالدو علاقة أكثر تعقيدًا مع المنتخب البرتغالي؟

هذا السؤال أصبح أكثر إثارة مع التطورات الأخيرة داخل المنتخب البرتغالي، والجدل المتعلق بمكانة رونالدو ودوره داخل التشكيلة، خصوصًا مع تقدمه في السن واستمرار النقاش حول الطريقة الأفضل للاستفادة منه.

المقارنة هنا لا تتعلق بالسؤال التقليدي حول من هو الأفضل بين ميسي ورونالدو، وإنما بطريقة تعامل منتخبين كبيرين مع أهم نجم في تاريخ كل منهما، وكيف يمكن إدارة المرحلة الأخيرة من مسيرة لاعب أسطوري دون الإضرار بمصالح المنتخب.

الأرجنتين بنت منظومة تساعد ميسي

أحد أهم أسرار تجربة ميسي الناجحة مع الأرجنتين خلال سنواته الأخيرة كان نجاح المدرب ليونيل سكالوني في إيجاد التوازن بين قيمة النجم واحتياجات الفريق.

لم يكن المطلوب من ميسي أن يؤدي الأدوار البدنية نفسها التي يقوم بها اللاعبون الأصغر سنًا، بل حصل على مساحة أكبر من الحرية في التحرك واستلام الكرة وصناعة اللعب والاقتراب من منطقة الجزاء.

وفي المقابل، وفر اللاعبون المحيطون به الكثير من الحركة والضغط والتغطية، وهو ما سمح لقائد الأرجنتين بالاحتفاظ بطاقته والتركيز على المناطق التي يستطيع فيها صناعة الفارق.

ويُعتبر رودريغو دي بول من أبرز الأمثلة على هذا النموذج، إلى جانب مجموعة من لاعبي الوسط الذين منحوا المنتخب الأرجنتيني القوة البدنية والتوازن المطلوبين.

وبذلك لم تكن الفكرة ببساطة أن ميسي يجب أن يلعب لأنه ميسي، وإنما بناء منظومة تجعل وجوده مفيدًا للفريق حتى مع تقدمه في العمر.

البرتغال تمتلك مشكلة مختلفة مع رونالدو

وضع كريستيانو رونالدو مختلف بعض الشيء.

فالمنتخب البرتغالي يمتلك مجموعة كبيرة من اللاعبين القادرين على قيادة الفريق فنيًا، وبالتالي لم يعد المنتخب مضطرًا للاعتماد على رونالدو بالطريقة نفسها التي كان يفعل بها قبل سنوات.

وجود أسماء مثل برونو فرنانديز، برناردو سيلفا، فيتينيا، جواو نيفيش وغونسالو راموس يمنح الجهاز الفني خيارات عديدة في بناء الهجمات وتشكيل الخط الأمامي.

وهنا يظهر أحد أهم الاختلافات بين التجربتين.

الأرجنتين نجحت في تكييف جزء كبير من منظومتها للاستفادة من ميسي، بينما تبدو البرتغال أكثر استعدادًا لتغيير دور رونالدو حسب احتياجات كل مباراة.

هل يجب أن يلعب رونالدو دائمًا؟

هذه النقطة ربما تمثل جوهر النقاش.

تاريخ رونالدو مع البرتغال استثنائي، لكن القرارات الفنية في كرة القدم لا يمكن أن تعتمد على التاريخ وحده.

فالمدرب مطالب باختيار التشكيلة التي يعتقد أنها الأنسب للفوز، وفي الوقت نفسه فإن التعامل مع لاعب بحجم كريستيانو رونالدو يحتاج إلى إدارة خاصة.

المشكلة ليست بالضرورة في جلوس رونالدو على مقاعد البدلاء خلال بعض المباريات، وإنما في كيفية إدارة القرار والتواصل مع اللاعب.

فعندما يتعلق الأمر بأحد أكثر اللاعبين مشاركة وتسجيلًا في تاريخ كرة القدم الدولية، يصبح الحوار بين المدرب واللاعب عنصرًا أساسيًا للحفاظ على استقرار المجموعة.

ماذا فعلت الأرجنتين بشكل مختلف؟

ربما يكون الجانب النفسي والإداري من أكبر الاختلافات بين التجربتين.

سنوات ميسي الأولى مع المنتخب الأرجنتيني لم تكن سهلة على الإطلاق. فقد تعرض لانتقادات قاسية بعد خسارة عدد من المباريات النهائية، ووصل الأمر إلى إعلان اعتزاله الدولي عام 2016 قبل أن يتراجع عن قراره.

لكن البيئة المحيطة بالمنتخب تغيرت تدريجيًا، خصوصًا بعد وصول ليونيل سكالوني.

أصبح هناك شعور بأن المنتخب يلعب مع ميسي وليس أن ميسي مطالب وحده بإنقاذ المنتخب.

وجاءت النتائج لتعزز نجاح هذه المعادلة، بعدما توجت الأرجنتين بكوبا أمريكا 2021، ثم كأس العالم 2022، وبعدها كوبا أمريكا 2024.

رونالدو أيضًا منح البرتغال تاريخًا جديدًا

الحديث عن تجربة ميسي مع الأرجنتين لا يجب أن يجعلنا نتجاهل ما قدمه رونالدو للكرة البرتغالية.

كريستيانو ليس مجرد هداف مر على المنتخب، بل أحد أهم الرموز الرياضية في تاريخ البرتغال.

لقد قاد المنتخب لسنوات طويلة وكان جزءًا أساسيًا من الجيل الذي منح البرتغال أول لقب كبير في تاريخها عندما توجت بكأس أمم أوروبا عام 2016.

كما حقق مجموعة هائلة من الأرقام القياسية على المستوى الدولي، وأصبح حضوره مرتبطًا بصورة المنتخب البرتغالي عالميًا.

لهذا السبب، عندما يشعر جزء من الجماهير بأن رونالدو لا يحصل على المعاملة نفسها التي حصل عليها ميسي في الأرجنتين، فإن الأمر بالنسبة إليهم لا يتعلق فقط بمستواه الحالي.

إنه مرتبط أيضًا بما يمثله اللاعب في تاريخ البلاد.

هناك فرق بين التكريم والقرار الفني

وهنا يجب التفريق بين أمرين مهمين.

يمكن للبرتغال أن تمنح رونالدو المكانة والتقدير اللذين يتناسبان مع تاريخه، وفي الوقت نفسه يحتفظ المدرب بحقه الكامل في اختيار التشكيلة التي يراها مناسبة.

الأمران ليسا متناقضين بالضرورة.

الأرجنتين نفسها بدأت عملية التجديد أثناء وجود ميسي، وظهرت مجموعة جديدة من اللاعبين حوله، لكن عملية الانتقال تمت مع الحفاظ على مكانة القائد ودوره داخل المجموعة.

وهذه ربما تكون النقطة الأكثر أهمية بالنسبة إلى البرتغال في إدارة المرحلة الأخيرة من مسيرة رونالدو الدولية.

ميسي ورونالدو مختلفان تكتيكيًا

هناك أيضًا جانب فني مهم لا يمكن تجاهله.

من الخطأ افتراض أن الطريقة التي نجحت مع ميسي يمكن تطبيقها حرفيًا على رونالدو، لأن خصائص اللاعبين مختلفة.

ميسي يستطيع النزول إلى وسط الملعب والمشاركة في بناء الهجمات، واللعب بين الخطوط وصناعة الفرص، وبالتالي يمكن إعادة تعريف دوره مع تقدمه في العمر.

أما رونالدو فقد تحول تدريجيًا خلال السنوات الأخيرة من مسيرته إلى مهاجم أكثر تمركزًا بالقرب من منطقة الجزاء.

ولهذا يصبح قرار إشراكه مرتبطًا بطريقة لعب المنتخب وحاجة المدرب إلى مهاجم صندوق أو إلى لاعب يقدم حركة وضغطًا مختلفين.

وهذا اختلاف تكتيكي مهم، ولذلك ليست المسألة مرتبطة فقط بالتقدير أو الاحترام.

كيف يمكن للبرتغال الاستفادة من رونالدو؟

السؤال الأهم ليس: هل يجب أن يلعب رونالدو كل مباراة؟

السؤال الأكثر أهمية هو: كيف تستطيع البرتغال الاستفادة من النسخة الحالية من كريستيانو رونالدو؟

قد تكون هناك مباريات يحتاج فيها المنتخب إلى خبرته وقدرته على إنهاء الفرص داخل منطقة الجزاء، بينما قد توجد مباريات أخرى تتطلب مهاجمًا يقدم أدوارًا مختلفة.

لذلك يمكن أن يتحول رونالدو من لاعب يجب أن يبدأ كل مباراة إلى ورقة تكتيكية مهمة، دون أن يعني ذلك التقليل من قيمته التاريخية.

هل يمكن للبرتغال الاستفادة من تجربة الأرجنتين؟

بالتأكيد لا يمكن نسخ تجربة الأرجنتين بالكامل، لكن توجد دروس يمكن الاستفادة منها.

أهم هذه الدروس أن المرحلة الأخيرة من مسيرة أسطورة بحجم رونالدو تحتاج إلى وضوح كبير بين اللاعب والمدرب والاتحاد.

يجب أن يعرف اللاعب دوره، ويجب أن يعرف المدرب حدود سلطته الفنية، كما يجب على الاتحاد الحفاظ على التوازن بين احترام أحد أعظم اللاعبين في تاريخ البلاد وعدم التدخل بطريقة تضر بالقرار الفني.

الأرجنتين وصلت إلى هذه المعادلة بعد سنوات طويلة من الانتقادات والصراعات والإخفاقات.

أما البرتغال فتواجه اختبارها الخاص في كيفية إدارة نهاية حقبة تاريخية ارتبطت باسم كريستيانو رونالدو.

النهاية التي يستحقها الأساطير

في النهاية، تجاوز رونالدو وميسي منذ سنوات حدود كونهما مجرد لاعبين في منتخبين وطنيين.

كلاهما أصبح رمزًا لجيل كامل ومرحلة تاريخية في كرة القدم.

لكن مسيرتيهما الدوليتين لم تسيرا بالطريقة نفسها.

الأرجنتين نجحت خلال حقبة سكالوني في بناء بيئة تساعد ميسي وتمنحه حرية فنية كبيرة، وفي الوقت نفسه أحاطته بجيل قادر على القيام بالأدوار البدنية والتكتيكية المطلوبة.

أما البرتغال فتواجه مع رونالدو سؤالًا مختلفًا وأكثر تعقيدًا: كيف تحافظ على قيمة قائد تاريخي وفي الوقت نفسه تسمح للمنتخب بالتطور واتخاذ القرارات الفنية المناسبة؟

ربما لهذا السبب تبدو معاملة النجمين مختلفة.

القضية ليست أن الأرجنتين تحب ميسي بينما البرتغال لا تحب رونالدو، وإنما أن كل منتخب اختار طريقة مختلفة لإدارة المرحلة الأخيرة من مسيرة أسطورته.

ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه المرحلة المقبلة: هل تنجح البرتغال في إدارة نهاية مسيرة كريستيانو رونالدو الدولية بطريقة تليق بما قدمه للمنتخب، أم ستظل المقارنات مع الطريقة التي تعاملت بها الأرجنتين مع ميسي حاضرة حتى اليوم الأخير؟


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق